تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عمدة القاري — صفحة 284

مساهمون:

ص٢٨٤
ابنُ مالِكٍ رضي الله تعالى عنهُ نُهِينَا أنْ يَبِيعَ حاضِرٌ لِبادٍ . مطابقته للترجمة ظاهرة والكلام في لفظ السمسرة ما ذكرناه في الحديث السابق ، ومعاذ بضم الميم وبالذال المعجمة : ابن معاذ البصري قاضيها ، مر في الحج ، وابن عون هو عبد الله بن عون ، ومحمد هو ابن سيرين . والحديث أخرجه مسلم في البيوع أيضا عن أبي موسى عن معاذ بن معاذ وعن أبي موسى عن ابن أبي عدي ، كلاهما عن ابن عون وعن يحيى بن يحيى . وأخرجه أبو داود فيه عن حفص بن عمر . وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن عبد الأعلى وعن أبي موسى . قوله : ( نهينا ) ، يدل على الرفع كما في قوله : أمرنا . قوله : ( أن يبيع حاضر لباد ) ، وزاد مسلم من طريق يونس بن عبيد عن محمد بن سيرين عن أنس ، وإن كان أخاه أو أباه ، وهذه ثلاثة أبواب متوالية في كلها : بيع حاضر لباد ، لكن في الأول استفهام بهل ، وفي الثاني نص على الكراهة بأجر ، وفي الثالث نهي في صورة النفي مقيد بالسمسرة ، وهو ترتيب حسن فيه إشارة إلى الأحكام المذكورة فيها ، وإلى تكثير الطرق للتقوية والتأكيد ، وإلى إسناد كل حكم إلى رواية الشيخ الذي استدل به عليه . 17 ( ( بابُ النَّهْيِ عنْ تَلَقِّي الرُّكْبَانِ ) ) أي : هذا باب في بيان النهي عن تلقي الركبان ، أي : عن استقبالهم لابتياع ما يحملونه إلى البلد قبل أن يقدموا الأسواق . وأنَّ بَيْعَهُ مَرْدُودُ لأِنَّ صاحِبَهُ عاصٍ آثِمٌ إذَا كانَ بهِ عالِما وهوَ خِدَاعٌ فِي البَيْعِ والخِدَاعُ لاَ يَجُوزُ وأن بيعه ، بفتح الهمزة أي : وأن بيع متلقي الركبان مردود ، والضمير يرجع إلى المتلقي الذي يدل عليه قوله : عن تلقي الركبان ، كما في قوله : * ( إعدلوا هو أقرب ) * ( المائدة : 8 ) . أي : العدل الذي هو المصدر يدل عليه إعدلوا ، والمراد بالبيع العقد . وقوله : مردود ، أي : باطل ، يرد إذا وقع ، وقد ذهب البخاري في هذا إلى مذهب الظاهرية ، وقال بعضهم : جزم البخاري بأن البيع مردود بناء على أن النهي يقتض الفساد لكن محل ذلك عند المحققين فيما يرجع إلى ذات النهي لا فيما إذا كان يرجع إلى أمر خارج عنه ، فيصح البيع ويثبت الخيار بشرطه . انتهى . قلت : هؤلاء المحققون هم الحنفية ، فإن مذهبهم في باب النهي هذا ، وينبني على هذا الأصل مسائل كثيرة محلها كتب الفروع . وقال ابن حزم : وهو حرام سواء خرج للتلقي أم لا ، بَعُدَ موضع تلقيه أم قَرُبَ ، ولو أنه عن السوق على ذراع ، والجالب بالخيار إذا دخل السوق في إمضاء البيع أو رده . وقال ابن المنذر : كره تلقي السلع بالشراء مالك والليث والأوزاعي ، فذهب مالك إلى أنه : لا يجوز تلقي السلع حتى تصل إلى السوق ، ومن تلقاها فاشتراها منهم يشترك فيها أهل السوق ، إن شاءوا كان واحدا منهم . وقال ابن القاسم : وإن لم يكن للسلعة سوق عرضت على الناس في المصر فيشتركون فيها إن أحبوا ، فإن أخذوها وإلاَّ ردوها عليه ، ولا يرد على بائعها ، وقال غيره : يفسخ البيع في ذلك . وقال الشافعي : من تلقاها فقد أساء ، وصاحب السلعة بالخيار إذا قدم به السوق في إنفاذ البيع أورده ، لأنهم يتلقونهم فيخبرونهم بكساد السلع وكثرتها . وهم أهل غرة ومكر وخديعة ، وحجته حديث أبي هريرة ، فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار . وذهب مالك أن نهيه عن التلقي إنما يريد به نفع أهل السوق لا نفع رب السلعة ، وعلى ذلك يدل مذهب الكوفيين والأوزاعي ، وقال الأبهري : معناه : لئلا يستفيد الأغنياء وأصحاب الأموال بالشراء دون أهل الضعف ، فيؤدي ذلك إلى الضرر بهم في معايشهم ، ولهذا المعنى قال مالك : إنه يشترك معهم إذا تلقوا السلع ، ولا ينفرد بها الأغنياء . وقال أبو حنيفة وأصحابه : إذا كان التلقي في أرض لا يضر بأهلها فلا بأس به ، وإن كان يضرهم فهو مكروه ، واحتج الكوفيون بحديث ابن عمر ، قال : كنا نتلقى الركبان فنشتري منهم الطعام ، فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نبيعه حتى نبلغ به سوق الطعام . وقال الطحاوي : في هذا الحديث إباحة التلقي ، وفي أحاديث غيره النهي عنه ، وأولى بنا أن نجعل ذلك على غير التضاد فيكون ما نهى عنه من التلقي لما في ذلك من الضرر على غير المتلقين المقيمين في السوق ، وما أبيح من التلقي هو ما لا ضرر فيه عليهم . وقال الطحاوي أيضا . والحجة في إجازة الشراء مع التلقي المنهي عنه حديث أبي هريرة : ( لا تلقوا الجلب ، فمن تلقاه فهو بالخيار إذا أتى السوق ) . فيه جعل الخيار مع النهي ، وهو دال على الصحة ، إذ لا يكون الخيار إلاَّ فيها ، إذ لو كان فاسدا لأجبر بائعه ومشتريه على فسخه . قلت : حديث أبي هريرة هذا أخرجه مسلم وأبو داود والطحاوي أيضا ، وحديث ابن
عمدة القاري — صفحة 284 | العيني