تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عمدة القاري — صفحة 252

مساهمون:

ص٢٥٢
وقال بعضهم : أبعد الكرماني في قوله : ( هذا ! ) قلت : ما أبعد فيه ، بل غرضه هذا وشئ آخر ، وهو الإشارة إلى أنه حفظه من الزهري بالسماع . قوله : ( فقال : أخبرني ) أي : قال الزهري : أخبرني مالك بن أوس . قوله : ( بخبر ) جملة حالية . قوله : ( الذهب بالذهب ) ويروى : ( الذهب بالورق ) ، بكسر الراء ، وهو رواية أكثر أصحاب ابن عيينة عن الزهري ، وهي رواية أكثر أصحاب الزهري . ثم معنى قوله : ( الذهب بالذهب ) ، أي : بيع الذهب بالذهب ربا إلاَّ أن يقول كل واحد من المتصارفين لصاحبه : هاء ، يعني : خذ أو : هات ، فإذا قال أحدهما : خذ ، يقول الآخر : هات ، والمراد أنهما يتقابضان في المجلس قبل التفرق منه ، وأن يكون العوضان متماثلين متساويين في الوزن ، كما في حديث أبي بكرة ، سيأتي : ( نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نبيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة إلا سواء بسواء ) . ثم الكلام في الذهب : هل مذكر أم مؤنث ؟ فقال في ( المنتهى ) : ربما أنث في اللغة الحجازية ، والقطعة منه ذهبة ، ويجمع على أذهاب وذهوب ، وفي ( تهذيب الأزهري ) : لا يجوز تأنيثه إلاَّ أن يجعل جمعا لذهبة ، وفي ( الموعب ) عن صاحب ( العين ) : الذهب التبر ، والقطعة منه : ذهبة ، يذكر ويؤنث . وعن ابن الأنباري : الذهب أنثى ، وربما ذكر ، وعن الفراء ، وجمعه ذهبان . وأما قوله : ( هاء وهاء ) ، فقال صاحب ( العين ) : هو حرف يستعمل في المناولة ، تقول : هاء وهاك ، وإذا لم تجىء بالكاف مددت فكان المدة في : هاء ، خلف من . كاف المخاطبة ، فنقول للرجل : هاء ، وللمرأة : هائي ، وللاثنين : هاؤما ، وللرجال : هاؤموا ، وللنساء هاؤن . وفي ( المنتهى ) : تقول : هاء يا رجل ، بهمزة ساكنة ، مثال : هع ، أي : خذ . وفي ( الجامع ) : فيه لغتان بألف ساكنة وهمزة مفتوحة ، وهو اسم الفعل ، ولغة إخرى : هايا رجل : كأنه من هاي يهاي ، ، فحذفت الياء للجزم ، ومنهم من يجعله بمنزلة الصوت : ها يا رجل ، وهايا رجلان ، وهايا رجال ، وها يا امرأة ، وها يا امرأتان ، وها يا نسوة . وفي ( شرح المشكاة ) : فيه لغتان المد والقصر ، والأول أفصح وأشهر . وأصله : هاك ، فأبدلت من الكاف ، معناه : خذ ، فيقول صاحبه مثله ، والهمزة مفتوحة . ويقال بالكسر ومعناه التقابض ، وقال المالكي : وحق ها أن لا يقع بعدها إلاَّ كما لا يقع بعدها : هذ ، وبعد أن وقع يجب تقدير قول قبله يكون به محكيا ، فكأنه قيل : ولا الذهب بالذهب إلاَّ مقول عنده من المتبايعين هاء وهاء ، وقال الطيبي : ومحله النصب على الظرفية ، والمستثنى منه مقدر . يعني : بيع الذهب بالذهب ربا في جميع الأزمنة إلاَّ عند الحضور والتقابض . قوله : ( والبر بالبر ) ، أي : وبيع البر بالبر ، وهكذا يقدر في البواقي . ذكر ما يستفاد منه : أجمع المسلمون على تحريم الربا في هذه الأشياء الأربعة التي ذكرت في حديث عمر ، رضي الله تعالى عنه ، وشيئان آخران وهما : الفضة والملح ، فهذه الأشياء الستة مجمع عليها ، واختلفوا فيما سواها ، فذهب أهل الظاهر ومسروق وطاووس والشعبي وقتادة وعثمان البتي فيما ذكره الماوردي : إلى أنه يتوقف التحريم عليها . وقال سائر العلماء : بل يتعدى إلى ما في معناها . فأما الذهب والفضة ، والعلة فيهما عند أبي حنيفة ، رضي الله تعالى عنه ، الوزن في جنس واحد ، فالحق بهما كل موزون . وعند الشافعي : العلة فيهما جنس الأثمان وأما الأربعة الباقية ففيها عشرة مذاهب . الأول : مذهب أهل الظاهر أنه : لا ربا في غير الأجناس الستة . الثاني : ذهب أبو بكر الأصم : إلى أن العلة فيها كونها منتفعا بها ، فيحرم التفاضل في كل ما ينتفع به ، حكاه عنه القاضي حسين . الثالث : مذهب ابن سيرين وأبي بكر الأودي الشافعي : أن العلة الجنسية ، فحرم كل شيء بيع بجنسه : كالتراب بالتراب متفاضلاً ، والثوب بالثوبين والشاة بالشاتين . الرابع : مذهب الحسن بن أبي الحسن : أن العلة المنفعة في الجنس ، فيجوز عنده بيع ثوب قيمته دينار بثوبين قيمتهما دينار ، ويحرم عنده بيع ثوب قيمته دينار بثوب قيمته ديناران . الخامس : مذهب سعيد بن جبير : أن العلة تفاوت المنفعة في الجنس ، فيحرم التفاضل في الحنطة بالشعير لتفاوت منافعهما ، وكذلك الباقلاء بالحمص والدخن بالذرة . السادس : مذهب ربيعة بن أبي عبد الرحمن : أن العلة كونه جنسا تجب فيه الزكاة ، ويحرم الربا في جنس تجب فيه الزكاة من المواشي والزروع وغيرهما ، ونفاه عما لا زكاة فيه . السابع : مذهب مالك : كونه مقتاتا مدخرا ، فحرم الربا في كل ما كان قوتا مدخرا ، ونفاه عما ليس بقوت : كالفواكه ، وعما هو قوت لا يدخر : كاللحم . الثامن : مذهب أبي حنيفة : أن العلة الكيل مع جنس ، أو الوزن مع جنس ، فحرم الربا في كل مكيل وإن لم يؤكل : كالجص والنورة والأشنان ، ونفاه عما لا يكال ولا يوزن وإن كان مأكولاً : كالسفرجل والرمان . التاسع : مذهب سعيد بن المسيب ، وهو قول الشافعي في القديم : أن العلة كونه مطعوما يكال أو يوزن فحرمه في كل مطعوم يكال أو يوزن ،