( وأما تشتريه أو تجد ريحه ) وفي رواية أبي أسامة : ( إما أن يجديك ، وإما أن تبتاع منه ) . ورواية عبد الواحد أرجح لأن : الإجداء وهو الإعطاء . لا يتعين بخلاف الرائحة ، فإنها لازمة سواء وجد البيع أو لم يوجد . قوله : ( وكير الحداد . . . ) إلى آخره ، وفي رواية أبي أسامة : ( ونافخ الكير ، إما أن يحرق ثيابك . . . ) .
ذكر ما يستفاد منه فيه : النهي عن مجالسة من يتأذى بمجالسته ، كالمغتاب والخائض في الباطل ، والندب إلي من ينال بمجالسته الخير من ذكر الله وتعلم العلم وأفعال البر كلها . وفي الحديث : ( المرء على دين خليله ، فلينظر أحدكم من يخالل ) . وفيه : دليل على إباحة المقايسات في الدين ، قاله ابن حبان عند ذكر هذا الحديث . وفيه : جواز ضرب الأمثال . وفيه : دليل على طهارة المسك . وفي ( صحيح مسلم ) : عن أبي سعيد ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( المسك أطيب الطيب ) . وفي كتاب ( الأشراف ) : روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم بسند جيد أنه كان له مسك يتطيب به ، وعلى هذا جل العلماء من الصحابة وغيرهم ، وهو قول علي بن أبي طالب وابن عباس وابن عمر وأنس وسلمان ، رضي الله تعالى عنهم ، ومحمد بن سيرين وسعيد بن المسيب وجابر بن زيد والشافعي ومالك والليث وأحمد وإسحاق . وخالف في ذلك آخرون ، فذكر ابن أبي شيبة ، قال عمر ، رضي الله تعالى عنه : لا تحنطوني به ، وكرهه . وكذا عمر ابن عبد العزيز وعطاء والحسن ومجاهد والضحاك ، وقال أكثرهم : لا يصلح للحي ولا للميت ، لأنه ميتة ، وهو عندهم بمنزلة ما أبين من الحيوان . قال ابن المنذر : لا يصح ذلك إلاَّ عن عطاء . قلت : روى ابن أبي شيبة عن عطاء من طريق جيدة أنه سئل : أطيب الميت بالمسك ؟ قال : نعم ، أوليس الذي تخمرون به المسك ؟ فهو خلاف ما قاله ابن المنذر عنه ، وقولهم : إنه بمنزلة ما أبين من الحيوان ، قياس غير صحيح ، لأن ما قطع من الحي يجري فيه الدم ، وهذا ليس سبيل نافجة المسك لأنها تسقط عند الاحتكاك كسقوط الشعرة . وقال أبو الفضل عياض : وقع الإجماع على طهارته وجواز استعماله . وقال أصحابنا : المسك حلال بالإجماع بحل استعماله للرجال والنساء ، ويقال : انقرض الخلاف الذي كان فيه ، واستقر الإجماع على طهارته ، وجواز بيعه . وقال المهلب : أصل المسك التحريم لأنه دم ، فلما تغير عن الحالة المكروهة من الدم ، وهي الزهم ، وفاح الرائحة ، صار حلالاً بطيب الرائحة ، وانتقلت حاله كالخمر تتخل فتحل بعد أن كانت حراما بانتقال الحال . وفي ( شرح المهذب ) : نقل أصحابنا عن الشيعة فيه مذهبا باطلاً ، وهو مستثنىً من القاعدة المعروفة : أن ما أبين من حي فهو ميت أو يقال : هو في معنى الجنين والبيض واللبن ، وذكر المسعودي في ( مروج الذهب ) : أنه تدفع مواد الدم إلى سرة الغزال ، فإذا استحكم لون الدم فيها ونضح آذاه ذلك وحكه . فيفزع حينئذ إلى أحد الصخور والأحجار الحارة من حر الشمس ، فيجت بها ملتذا بذلك ، فينفجر حينئذ وتسيل على تلك الأحجار كانفجار الجراح والدمل ، ويجد بخروجه لذة ، فإذا فرغ ما في نافجته اندمل حينئذ ثم اندفعت إليه مواد من الدم تجتمع ثانية ، فيخرج رجال نبت يقصدون تلك الحجارة والجبال فيجدونه قد جف بعد إحكام المواد ونضج الطبيعة وجففته الشمس وأثر فيه الهوى ، فيودعونه في نوافج معهم قد أخذوها من غزلان اصطادوها ، معدة معهم ، ولغزاله نابان صغيران محدودا الأعلى ، منها مدلًى على أسنانه السفلى ، ويداه قصيرتان ورجلاه طويلتان ، وربما رموها بالسهام فيصرعونها ويقطعون عنها نوافجها والدم في سررها خام لم ينضج ، وطري لم يدرك ، فيكون لرائحته سهولة ، فيبقى زمانا حتى تزول عنه تلك الروائح السهلة الكريهة ، وتكتسب موادا من الهوى ، وتصير مسكا .
93
( ( بابُ ذِكْرِ الحجَّامِ ) )
أي : هذا باب فيما جاء من ذكر الحجام ، ولما ذكر في : باب موكل الربا ، النهي عن ثمن الدم الذي هو الحجامة ، وظاهره التحريم . عقد هذا الباب هنا وفيه حديثان يدلان على جواز الحجامة ، وأخذ الأجرة ، فذكرهما ليدل على أن النهي المذكور فيه إما منسوخ كما ذهب إليه البعض وإما أنه محمول على التنزيه ، كما ذهب إليه آخرون ، وهذا الذي يذكر ههنا هو الوجه ، لا ما ذكره بعضهم مما لا طائل تحته .
2012 حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عنْ حُمَيْدٍ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رضي الله
عمدة القاري — صفحة 221
مساهمون: العيني
ص٢٢١