تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عمدة القاري — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
والنذور . وقال صاحب ( التوضيح ) : ولا أدري لما فعل ذلك ، وكذلك قدم الصوم على الحج أيضا قلت : لعله نظر إلى أن الجهاد أيضا من العبادات ، لأن المقصود منها التحصيل الأخروي ، لأن جل المقصود ذلك لأن فيه إعلاء كلمة الله تعالى وإظهار الدين ونشر الإسلام . وبعض أصحابنا قدم النكاح على البيوع في مصنفاتهم نظرا إلى أنه مشتمل على المصالح الدينية والدنيوية ، ألاَ ترى أنه أفضل من التخلي للنوافل ؟ وبعضهم قدم البيوع على النكاح نظرا إلى أن احتياج الناس إلى البيع أكثر من احتياجهم إلى النكاح ، فكان أهم بالتقديم . قلت : لما كان مدار أمور الدين بخمسة أشياء ، وهي : الاعتقادات ، والعبادات ، والمعاملات والزواجر ، والآداب . فالاعتقادات محلها علم الكلام ، والعبادات قد بينها ، شرع في بيان المعاملات ، وقدم منها البيوع نظرا إلى كثرة الاحتياج إليه ، كما ذكرناه الآن . ثم إنه ذكر لفظ الكتاب لأنه مشتمل على الأبواب ، وهي كثيرة في أنواع البيوع ، وجمع البيع لاختلاف أنواعه ، وهي المطلق : إن كان بيع العين بالثمن ، والمقايضة : إن كان عينا بعين ، والسلم : إن كان بيع الدين بالعين ، والصرف : إن كان بيع الثمن بالثمن ، والمرابحة : إن كان بالثمن مع زيادة ، والتولية : إن لم يكن مع زيادة ، والوضيعة : إن كان بالنقصان ، واللازم : إن كان تاما ، وغير اللازم : إن كان بالخيار ، والصحيح ، والباطل ، والفاسد ، والمكروه . ثم للبيع تفسير : لغة ، وشرعا ، وركن ، وشرط ، ومحل ، وحكم ، وحكمة . أما تفسير لغة : فمطلق المبادلة ، وهو ضد الشراء والبيع الشراء أيضا باعه الشيء وباعه منه جميعا فيهما ، وابتاع الشيء اشتراه ، وأباعه عرضه للبيع ، وبايعه مبايعة وبياعا عارضه للبيع ، والبيعان : البائع والمشتري ، وجمعه : باعة عند كراع ، والبيع اسم البيع والجمع بيوع ، والبياعات الأشياء المتبايعة للتجارة ، ورجل بيوع جيد البيع ، وبياع كثير البيع ، ذكره سيبويه فيما قاله ابن سيده ، وحكى النووي عن أبي عبيدة : أباع ، بمعنى : باع . قال : وهو غريب شاذ . وفي ( الجامع ) أبعته أبيعه إباعة إذا عرضته للبيع ، ويقال : بعته وأبعته بمعنى واحد . وقال ابن طريف في : باب فعل وافعل ، باتفاق معنى باع الشيء وأباعه عن أبي زيد ، وأبي عبيدة . وفي ( الصحاح ) : والشيء مبيع وبيوع ، والبياعة السلعة ، ويقال : بيع الشيء ، على ما لم يسم فاعله إن شئت كسرت الباء وإن شئت ضممتها ، ومنهم من يقلب الياء واوا فيقول : بوع الشيء . وقال ابن قتيبة : بعت الشيء بمعنى بعته ، وبمعنى اشتريته ، وشريت الشيء اشتريته ، وبمعنى بعته . ويقال : استبعته أي : سألته البيع ، قال الخليل : المحذوف من مبيع واو مفعول لأنها زائدة فهي أولى بالحذف . وقال الأخفش : المحذوف عين الكلمة ، وقال المازري : كلاهما حسن ، وقول الأخفش أقيس ، وقيل : سمي البيع بيعا لأن البائع يمد باعه إلى المشتري حالة العقد غالبا ، ورد هذا بأنه غلط ، لأن الباع من ذوات الواو ، والبيع من ذوات الياء . وأما تفسيره شرعا فهو مبادلة المال بالمال على سبيل التراضي . وأما ركنه : فالإيجاب والقبول . وأما شرطه : فأهلية المتعاقدين . وأما محله فهو المال ، لأنه ينبئ عنه شرعا . وأما حكمه : فهو ثبوت الملك للمشتري في المبيع ، وللبائع في الثمن إذا كان تاما ، وعند الإجازة إذا كان موقوفا . وأما حكمته : فهي كثيرة . منها : باتساع أمور المعاش والبقاء . ومنها : إطفاء نار المنازعات والنهب والسرق والطر والخيانات والحيل المكروهة . ومنها : بقاء نظام المعاش وبقاء العالم ، لأن المحتاج يميل إلى ما في يد غيره ، فبغير المعاملة يفضي إلى التقاتل والتنازع وفناء العالم واختلال نظام المعاش وغير ذلك . وثبوته بالكتاب لقوله تعالى : * ( وأحل لكم البيع وحرم الربا ) * ( البقرة : 752 ) . والسنة ، وهي : أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، بعث والناس يتعاملون فأقرهم عليه ، والإجماع منعقد على شرعيته . وقَوْلِ الله عَزَّ وَجَلَّ * ( وأحَلَّ الله البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبَا ) * ( البقرة : 752 ) . * ( إلاَّ أنْ تَكُونَ تِجَارَةً حاضِرَةً تديرُونَهَا بَيْنَكُمْ ) * ( البقرة : 282 ) . وقول الله ، بالرفع عطفا على المضاف في كتاب البيوع ، وقيل : ليس فيه واو العطف ، وإنما أصل النسخة هكذا : كتاب البيوع : قال الله تعالى * ( وأحل الله البيع وحرم الربوا ) * ( البقرة : 752 ) . وقد ذم الله تعالى عز وجل أكلة الربوا ، بقوله : * ( الذين يأكلون الربوا ) * ( البقرة : 572 ) . أول الآية ، وكانوا اعترضوا على أحكام الله تعالى في شرعه ، فقالوا : إنما البيع مثل الربوا ، فرد الله عليهم بقوله : * ( وأحل الله البيع وحرم الربوا ) * ( البقرة : 752 ) . وقال ابن كثير قوله : * ( وأحل الله البيع وحرم الربوا ) * ( البقرة : 752 ) . يحتمل أن يكون من تمام كلامهم اعتراضا على الشرع ( أي مثل هذا وقد أحل هذا وحرم هذا ) ويحتمل أن يكون من كلام الله تعالى ردا عليهم . وقال