تصومه قريش من الجاهلية ، وكان ، عليه الصلاة والسلام ، يصومه ، فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه ، فلما فرض رمضان . قال : من شاء صامه ومن شاء تركه ) . فهذا الحديث ينادي بأعلى صوته أن صوم يوم عاشوراء كان فرضاً ، وعن عائشة وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وجابر بن سمرة : أن صوم يوم عاشوراء كان فرضاً قبل أن يفرض رمضان ، فلما فرض رمضان فمن شاء صام ومن شاء ترك ، ذكره ابن شداد في أحكامه . ( وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أرسل إلى قرى الأنصار التي حول المدينة : من كان أصبح صائماً فليتم صومه ، ومن كان أصبح مفطراً فليصم بقية يومه ، ومن لم يكن أكل فليصم ) . متفق عليه ، وكان صوماً واجباً متعنياً . وقال الحافظ أبو جعفر الطحاوي ، رحمه الله : ففي هذه الآثار وجوب صوم عاشوراء ، وفي أمره ، صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ، بصومه بعدما أصبحوا ، وأمره بالإمساك بعد ما أكلوا دليل على وجوبه ، إذا لا يأمر ، صلى الله عليه وسلم ، في النفل بالإمساك إلى آخر النهار بعد الأكل ، ولا بصومه لمن لم يصمه .
وفيه دليل أيضاً على أن من كان عليه صوم يوم بعينه ولم يكن نوى صومه من الليل تجزيه النية بعد ما أصبح ، والأكثرون على أنه كان فرضاً ونسخ بصوم رمضان . فإن قلت : يعارض ما ذكرتم حديث معاوية ( أنه قال على المنبر : يا أهل المدينة : أين علماؤكم ؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هذا يوم عاشوراء ، لم يكتب الله عليكم صايمه فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر ، وأنا صائم ) . قلت : بعد النسخ لم يبق مكتوباً علينا ، ولأن المثبت أولى من النافي ، وقال القائل المذكور : والذي يترجح من أقوال العلماء أنه ، أي : إن صوم يوم عاشوراء لم يكن فرضاً ، وعلى تقدير أنه كان فرضاً فقد نسخ بلا ريب ، فقد نسخ حكمه وشرائطه . انتهى . قلت : هذا مكابرة فلا يترجح من أقوال العلماء إلاَّ إن كان فرضاً ، لما ذكرنا من الدلائل ، وقوله : فنسخ حكمه وشرائطه غير صحيح ، ألا ترى أن التوجه إلى بيت المقدس قد نسخ ولم تنسخ سائر أحكام الصلاة وشرائطها ؟ وقوله : وأمره بالإمساك لا يستلزم الأجزاء ، لأن الأمر بالإمساك يحتمل أن يكون لحرمة الوقت . قلت : الاحتمال إذا كان ناشئاً عن غير دليل لا يعتبر به فبالاحتمال المطلق لا يثبت الحكم ولا ينفي ، ثم استدل هذا القائل في قوله : الأمر بالإمساك لا يستلزم الأجزاء بقوله : كما يؤمر من قدم من سفر في رمضان نهاراً ، وكما يؤمر من أفطر يوم الشك ، ثم رؤي الهلال ، وكل ذلك لا ينافي أمرهم بالقضاء بل قد ورد ذلك صريحاً في حديث أخرجه أبو داود والنسائي من طريق قتادة عن عبد الرحمن بن سلمة عن عمه : ( إن أم أسلم أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال : صمتم يومكم هذا ؟ قالوا : لا . قال : فأتموا بقية يومكم واقضوه ) . قلت : هذا القياس باطل ، لأن الرمضانية متعينة في الصورة الأولى ، ونفيت في الثانية ، فكيف لا يؤمر بالقضاء بخلاف ما نحن فيه .
والحديث الذي قوَّى كلامه به غير صحيح من وجوه . الأول : إن النسائي أخرجه ولم يذكر واقضوه ، وقال عبد الحق في ( الأحكام الكبرى ) ولا يصح هذا الحديث في القضاء ، وقال ابن حزم في ( المحلى ) : لفظة : واقضوا ، موضوعه بلا شك . الثاني : إن البيهقي قال عبد الرحمن : هذا مجهول ومختلف في اسم أبيه ، ولا يدري من عمه ، وقال المنذري : قيل عبد الرحمان بن مسلمة ، كما ذكره أبو داود . وقيل : ابن سلمة ، وقيل : ابن المنهال بن سلمة ، ورواه ابن حزم من طريق شعبة عن قتادة عن عبد الرحمان بن المنهال بن سلمة الخزاعي عن عمه : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأسلم : صوموا اليوم ، قالوا : إنا قد أكلنا ، قال : صوموا بقية يومكم ، يعني عاشوراء ) وفي رواية أخرى أخرجها ابن حزم أيضاً عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة ( عن عبد الرحمان بن مسلمة الخزاعي عن عمه ، قال : غدونا على رسول الله صلى الله عليه وسلم صبيحة عاشوراء ، فقال لنا : أصبحتم صياماً ؟ قلنا : قد تغدينا يا رسول الله ! فقال : فصوموا بقية يومكم ، ولم يأمرهم بالقضاء ) . الثالث : أن شعبة قال : كنت أنظر إلى فم قتادة ، فإذا قال : حدثن كتبت ، وإذا قال : عن فلان ) أو قال : فلان لم أكبه ، وهو مدلس دلس عن مجهولين ، وقال الكرابيسي وغيره : فإذا قال المدلس : حدثنا ، يكون حجة ، وإذا قال : فلان قال ، أو : عن فلان ، لا يكون حجة ، فلا يجوز الاحتجاج به ، فإذا كانت الرواية ، يعني عن الثقة المعروف بالحفظ والضبط ، لا تكون حجة فكيف تكون حجة ؟ وقد رواه عن مجهول ؟ وقال القاضي عياض : رواية : واقضوا ، قاطعة لحجة المخالف ، ونص ما يقوله الجمهور وجوب اعتبار النية من الليل ، وأن نيته من النهار غير معتبرة ورد عليه بأنه كيف يحتج بما ليس بحجة على خصمه مع علمه ، ويعتقد أنه يخفي ، وذكر ما ذكرنا من الوجوه ، ثم قال هذا القائل : واحتج الجمهور
عمدة القاري — صفحة 304
مساهمون: العيني
ص٣٠٤