الحديث كان تختلف أوقاته ، وإنما حكى من قال : ينزل ذا ويرقى ذا ، ما شاهد في بعض الأوقات ، ولو كان فعله لا يختلف لا كتفي به رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل : ( فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم ) ، ولقال إذا فرغ بلال فكفوا ولكنه جعل أول أذان ابن أم مكتوم علامة للكف ، ويحتمل أن لابن أم مكتوم من يراعي الوقت ، ولولا ذلك لكان ربما خفي عنه الوقت ، ويبين ذلك ما روى ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب ( عن سالم ، قال : كان ابن أم مكتوم ضرير البصر ، ولم يكن يؤذن حتى يقول له الناس حين ينظرون إلى بزوغ الفجر : إذِّن ) . وقد روى الطحاوي من حديث أنيسة ، وكانت حجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم . أنها قالت : كان إذا نزل وأراد أن يصعد ابن أم مكتوم تعلقوا به ، قالوا : كما أنت حتى نتسحر ، وقال أبو عبد الملك : هذا الحديث فيه صعوبة ، وكيف لا يكون بين آذانيهما ، إلاَّ ذلك ، وهذا يؤذن بليل وهذا بعد الفجر ، فإن صح أن بلالاً كان يصلي ويذكر الله في الموضع الذي هو به حين يسمع مجيء ابن أم مكتوم ، وهذا ليس يبين لأنه قال : ( لم يكن بين آذانيهما إلا أن يرقى ذا وينزل ذا ) ، فإذا أبطأ بعد الآذان لصلاة وذكر لم يقل ذلك ، وإنما يقال : لما نزل هذا طلع هذا ، وقال الداودي : فعلى هذا كان في وقت تأخر بلال ، بآذانه فشهده القاسم ، فظن أن ذلك عادتهما ، قال : وليس بمنكر أن يأكلوا حتى يأخذ الآخر في آذانه ، وجاء أنه كان لا ينادي حتى يقال له : أصبحت أصبحت ، أي : دخلت في الصباح ، أو قاربته . وقال صاحب ( التوضيح ) : قوله : فشهده القاسم ، غلط فتأمله . قلت : لأن قاسماً لم يدرك هذا .
ومما يستفاد من هذا الباب أن الصائم له أن يأكل ويشرب إل طلوع الفجر الصادق ، فإذا طلع الفجر الصادق كف ، وهذا قول الجمهور من الصحابة والتابعين ، وذهب معمر وسليمان الأعمش وأبو مجلز والحكم بن عتيبة : إلى جواز التسحر ما لم تطلع الشمس ، واحتجوا في ذلك بحديث حذيفة ، رواه الطحاوي من رواية زر بن حبيش ، قال : ( تسحرت ثم انطلقت إلى المسجد فمررت بمنزل حذيفة فدخلت عليه فأمر بلقحة فحلبت ، وبقدر فسخنت ، ثم قال : كل ، فقلت : إني أريد الصوم ، فقال : وأنا أريد الصوم . قال : فأكلنا وشربنا ثم أتينا المسجد فأقيمت الصلاة . قال : هكذا فعل بي رسول الله ، صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ، أو : صنعت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم . قلت : بعد الصبح ؟ قال : بعد الصبح ، غير أن الشمس لم تطلع ) . وأخرجه النسائي وأحمد في ( مسنده ) وقال ابن حزم عن الحسن : كل ما امتريت ، وعن ابن جريج : قلت : لعطاء : أيكره أن أشرب وأنا في البيت لا أدري لعلي أصبحت ؟ قال : لا بأس بذلك ، هو شك ، وقال ابن شيبة : حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن مسلم ، قال : لم يكونوا يعدون الفجر فجركم إنما كانوا يعدون الفجر الذي يملأ البيوت والطرق . وعن معمر : أنه كان يؤخر السحور جداً حتى يقول الجاهل : لا صوم له . وروى سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر ، من طرق : عن أبي بكر أنه أمر بغلق الباب حتى لا يرى الفجر ، وروى ابن المنذر بإسناد صحيح عن علي ، رضي الله عنه ، أنه صلى الصبح ، ثم قال : الآن حين يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود . وقال ابن المنذر : ذهب بعضهم إلى أن المراد بتبين بياض النهار من سواد الليل أن ينتشر البياض من الطرق والسكك والبيوت ، وروى بإسناد صحيح عن سالم بن عبيد الأشجعي وله صحبة ، أن أبا بكر ، رضي الله عنه ، قال له : أخرج فانظر هل طلع الفجر ؟ قال : فنظرت ثم أتيته فقلت : قد ابيَّض وسطع ، ثم قال : أخرج فانظر هل طلع ؟ فنظرت فقلت : قد اعترض . فقال : الآن أبلغني شرابي . وروى من طريق وكيع عن الأعمش أنه قال : لولا الشهرة لصليت الغداة ثم تسحرت ، وروى الترمذي ، وقال : حدثنا هناد حدثنا ملازم بن عمر وحدثني عبيد الله بن النعمان عن قيس بن طلق بن علي حدثني أبي طلق بن علي : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : وكلوا واشربوا ولا يهيدنكم الساطع المصعد ، فكلوا واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر ) . قوله : ( لا يهيدنكم ) أي : يمنعنكم الأكل من هاد ، يهيد ، وأصل : الهيد ، الزجر . قوله : ( الساطع المصعد ) ، قال الخطابي : سطوعه ارتفاعه مصعداً قبل أن يعترض . قال : ومعنى الأحمر ههنا أن يستبطن البياض المعترض أوائل حمرة ، والله أعلم بالصواب .
عمدة القاري — صفحة 297
مساهمون: العيني
ص٢٩٧