ذكر من أخرجه غيره أخرجه مسلم في الحج أيضا عن أبي بكر بن أبي شيبة وعن محمد بن رافع ، وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن آدم ، وعن هارون بن عبد الله .
ذكر معناه : قوله : ( تفتح اليمن ) ، قال ابن عبد البر وغيره : افتتحت اليمن في أيام النبي صلى الله عليه وسلم وفي أيام أبي بكر ، رضي الله تعالى عنه ، وافتتحت الشام بعدها ، والعراق بعدها . انتهى . قلت : يمن اسم يعرب بن قحطان بن عابر ، وهو هود ، فلذلك يقال أرض يمن ، ذكره في كتاب ( التيجان ) وذكر البكري : إنما سمي اليمن يمنا لأنه عن يمين الكعبة ، كما سمي الشام شاما لأنه عن شمال الكعبة . وقيل : إنما سمي بذلك قبل أن تعرف الكعبة لأنه عن يمين الشمس ، وقيل : سميت اليمن يمنا بيمن بن قحطان ، وحكى الهمداني ، قال : لما طغت العرب العاربة أقبلت بنو يقطن بن عابر فتيامنوا ، فقالت العرب : تيامنت بنو يقطن ، فسموا اليمن . وتشأم الآخرون فسموا شاما . قوله : ( يبسون ) ، بفتح الياء آخر الحروف وضم الباء الموحدة وتشديد السين المهملة من : بس يبس بسا ، والبس : سوق الإبل . تقول : بس يبس عند السوق وإرادة السرعة ، وقال ابن عبد البر في رواية يحيى بن يحيى : يبسون ، بكسر الباء الموحدة ، وقيل : إن ابن القاسم رواه بضمها قلت : حاصله أنه من باب : نصر ينصر ، ومن باب : ضرب يضرب ، وفي ( التلويح ) أشار إلى أنه روي بضم الياء آخر الحروف وكسر الباء الموحدة ، فعلى هذا يكون من الثلاثي المزيد فيه من أبس يبس على وزن أفعل . قال الحربي : ومعناه يتحملون بأهليهم ، وقيل : معناه يدعون الناس إلى بلاد الخصب ، وقال الداودي معناه : يزجرون دوابهم فيفتتون ما يطؤنه من الأرض من شدة السير فيصير غبارا من قوله تعالى : * ( وبست الجبال بسا ) * ( الواقعة : 5 ) . أي : سالت سيلاً . وقيل : معناه سارت سيرا . وقال ابن القاسم : البس المبالغة في الفت ، ومنه قيل للدقيق المصنوع بالدهن : بسيس ، وأنكر ذلك النووي ، وقال : إنه ضعيف أو باطل . وقال ابن عبد البر : وقيل : معنى يبسون يسألون عن البلاد ، وتستقر لأهلهم البلاد التي تفتح ويدعونهم إلى سكناها فيتحملون بسبب ذلك من المدينة راحلين إليها ، ويشهد لهذا حديث أبي هريرة عند مسلم : ( يأتي على الناس زمان يدعو الرجل ابن عمه وقريبه إلى المجيء إليها لذلك ، فيتحمل المدعو بأهله وأتباعه ) . وقال النووي : الصواب أن معناه : الإخبار عمن خرج من المدينة متحملاً بأهله ، بأسا في سيره ، مسرعا إلى الرخاء والأمصار المفتتحة ، ويؤيد هذا ما رواه ابن خزيمة من طريق أبي معاوية عن هشام بن عروة في هذا الحديث : ( تفتح الشام فيخرج الناس من المدينة يبسون ، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون ) . وروى أحمد في ( مسنده ) من حديث جابر ، سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( ليأتينَّ على أهل المدينة زمان ينطلق الناس فيها إلى الأرياف يلتمسون الرخاء فيجدون رخاء ، ثم يأتون فيتحملون بأهليهم إلى الرخاء والمدينة خير لو كانوا يعلمون ) . وفي إسناده عبد الله بن لهيعة وفيه مقال ، ولكن أحمد قبله ورضي به ، ولا بأس به في المتابعات . قوله : ( لو كانوا يعلمون ) أي : بفضلها من الصلاة في المسجد النبوي وثواب الإقامة فيها لأنها حرم الرسول ومهبط الوحي ومنزل البركات . فإن قلت : أين جواب : لو ؟ قلت : محذوف ، دل عليه ما قبله أي : لو كانوا من أهل العلم لعرفوا ذلك ، ولما فارقوا المدينة . وإن كانت : لو ، بمعنى : ليت ، فلا جواب لها ، وعلى التقديرين ففيه تجهيل لمن فارقها لتفويته على نفسه خيرا عظيما ، وفيه معجزات للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه أخبر بفتح هذه الأقاليم ، وأن الناس يتحملون بأهاليهم ويفارقون المدينة ، وأن هذه الأقاليم تفتح على هذا الترتيب المذكور في الحديث ، ووجد جميع ذلك . قوله : ( ومن أطاعهم ) أي : ويتحملون بمن أطاع أهليهم من الناس . قوله : ( والمدينة خير لهم ) الواو فيه للحال ، وقال الطيبي : نكر قوما لتحقيرهم وتوهين أمرهم ، ثم وصفهم بقوله : ( يبسون ) إشعارا بركاكة عقولهم ، وأنهم ممن ركنوا إلى الحظوظ البهيمية ، وحطام الدنيا الفانية العاجلة وأعرضوا عن الإقامة في جوار الرسول صلى الله عليه وسلم ومهبط الوحي ، ولذلك كرر قوما ووصفه في كل قرينة بقوله : ( يبسون ) ، استحضارا لتلك الهيئة البهيمية . وقال الطيبي أيضا الذي يقتضي هذا المقام أن ينزل يعلمون منزلة اللازم لينتفي عنهم العلم والمعرفة بالكلية ، ولو ذهب مع ذلك إلى معنى التمني لكان أبلغ ، لأن التمني طلب ما لا يمكن حصوله أي : ليتهم كانوا من أهل العلم تغليظا وتشديدا . انتهى . وقالوا : المراد به الخارجون من المدينة رغبة عنها كارهين لها ، وأما من خرج لحاجة أو تجارة أو جهاد أو نحو ذلك فليس بداخل في معنى الحديث .
عمدة القاري — صفحة 239
مساهمون: العيني
ص٢٣٩