الأمر بقطعهما قد نسخ فإن عمرو بن دينار قد روى الحديثين جميعا . وقال : انظروا أيهما كان قبل . وقال الدارقطني : قال أبو بكر النيسابوري : حديث ابن عمر قبل لأنه قد جاء في بعض رواياته : ( نادى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد ) يعني بالمدينة فكأنه كان قبل الإحرام ، وحديث ابن عباس يقول : سمعته يخطب بعرفات . . . الحديث ، فيدل على تأخره عن حديث ابن عمر ، فيكون ناسخا له ، لأنه لو كان القطع واجبا لبينه للناس ، إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه ، وقال ابن الجوزي : روى حديث ابن عمر مالك وعبيد الله وأيوب في آخرين فوقفوه على ابن عمر ، وحديث ابن عباس سالم من الوقف مع مع عضده من حديث جابر ، ويحمل قوله : وليقطعهما ، على الجواز من غير كراهة لأجل الإحرام ، وينهى عن ذلك في غير الإحرام لما فيه من الفساد ، فأما إذا لبس الخف المقطوع من أسفل الكعب مع وجود النعل فعندنا أنه لا يجوز ويجب عليه الفداء ، خلافا لأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي ، وقال ابن قدامة : والأولى قطعهما عملاً بالحديث الصحيح ، وخروجا من الخلاف وأخذا بالاحتياط .
تابَعَهُ مُوسَى بنُ عُقْبَةَ وإسْمَاعِيلُ بنُ إبْرَاهِيمَ بنِ عُقْبَةَ وجُوَيْرِيَةُ وابنُ إسْحَاقَ فِي النِّقَابِ والْقُفَازَيْنِ
أي : تابع الليث هؤلاء الأربعة في الرواية عن نافع . أما متابعة موسى بن عقبة بن أبي عياش الأسدي المدني فقد وصلها النسائي من طريق عبد الله بن المبارك عن موسى عن نافع ، وقال أبو داود : روى هذا الحديث حاتم بن إسماعيل ويحيى بن أيوب عن موسى مرفوعا . وأما متابعة إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة بن أبي عياش ، وهو ابن أخي موسى المذكور ، وهو من أفراد البخاري ، فوصلها علي بن محمد المصري في فوائده من رواية الحافظ السلفي عن الثقفي : عن ابن بشران عنه عن يوسف بن يزيد عن يعقوب بن أبي عباد عن إسماعيل عن نافع به . وأما متابعة جويرية بن أسماء فوصلها أبو يعلى الموصلي عن عبد الله بن محمد بن أسماء عنه عن نافع . وأما متابعة محمد بن إسحاق فوصلها أحمد والحاكم من حديث يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن ابن إسحاق ، قال : حدثني نافع به مرفوعا .
قوله : ( في النقاب والقفازين ) أي : في ذكرهما ، والنقاب الخمار الذي يشد على الأنف أو تحت المحاجر ، وظاهره اختصاص ذلك بالمرأة ، ولكن الرجل في القفاز مثلها لكونه في معنى الخف فإن كلاًّ منهما محيط بجزء من البدن ، وأما النقاب فلا يحرم على الرحل من جهة الإحرام لأنه لا يحرم عليه تغطية وجهه .
وقال عُبَيْدُ الله ولاَ ورْسٌ وكانَ يَقُولُ لاَ تَتَنَقَّبُ المُحْرِمَةُ ولاَ تَلْبَسُ القُفَّازَيْنِ
عبيد الله هو ابن عمر العمري : قوله : ( ولا ورس ) ، يعني قال عبيد الله في الحديث المذكور إلى قوله : ( ولا ورس ) ، وأشار بهذا إلى أن عبيد الله هذا وافق الأربعة المذكورين في رواية الحديث المذكور عن نافع حيث جعل الحديث إلى قوله : ( ولا ورس ) مرفوعا ثم فصل بقية الحديث فجعله من قول ابن عمر ، وهو معنى قوله : ( وكان يقول ) أي : وكان ابن عمر يقول : ( لا تنتقب المحرمة ولا تلبس القفازين ) وقال الكرماني : قوله : كان يقول : فإن قلت : لم قال أولاً بلفظ : قال ؟ وثانيا قال : كان يقول ؟ قلت : لعله قال ذلك مرة ، وهذا كأن يقول دائما مكررا ، والفرق بين المرتين إما من جهة حذف لفظ المرأة وإما من جهة أن الأول بلفظ لا تنتقب من التفعل ، والثاني من الافتعال ، وإما من جهة أن الثاني ، بضم الباء على سبيل النفي لا غير ، والثاني بالضم والكسر نفيا ونهيا . انتهى قلت : قوله : كان يقول ، دائما مكررا كأنه أخذه من قول من قال : إن : كان ، يدل على الدوام والاستمرار . قوله من التفعل ، يعني : من باب التفعل ، يقال من هذا : تنقبت المرأت تنتقب تنقبا . قوله : من الافتعال ، أي : من باب الافتعال ، يقال من هذا : انتقبت المرأة تنتقب انتقابا .
قوله : ( وقال عبيد الله ) إلى آخره معلق وصله إسحاق ابن راهويه في ( مسنده ) عن محمد بن بشر وحماد بن مسعدة وابن خزيمة من طريق بشر بن المفضل ، ثلاثتهم عن عبيد الله ابن عمر عن نافع ، فساق الحديث إلى قوله : ( ولا ورس ) ، قال : وكان عبد الله يعني : ابن عمر : ( يقول : ولا تنتقب المحرمة ولا تلبس القفازين ) ومعنى : لا تنتقب لا تستر وجهها ، واختلفوا في ذلك فمنعه الجمهور وأجازه الحنفية ، وهو
عمدة القاري — صفحة 199
مساهمون: العيني
ص١٩٩