تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عمدة القاري — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣
وعروة مدنيان . وفيه : أن البخاري يروي عن يحيى بن سليمان بقوله : حدثنا ، ويروي ، وحدثني ، يحيى ، بالعطف وصيغة الإفراد . وفيه : يروي ابن وهب عن ابن شهاب عن عروة ، وفي الحديث السابق : يروي ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب عن سالم عن عبد الله ابن عمر عن حفصة ، فظهر من ذلك أن لابن وهب عن يونس عن الزهري إسنادين : سالم عن أبيه عن حفصة ، وعروة عن عائشة . وقد كان ابن عيينة ينكر طريق الزهري عن عروة . قال الحميدي عن سفيان : حدثنا والله الزهري عن سالم عن أبيه ، فقيل له : فإن معمرا يرويه : عن الزهري عن عروة عن عائشة ، فقال : حدثنا والله الزهري ، ولم يذكر عروة . انتهى . وطريق معمر الذي ذكره رواه البخاري في بدء الخلق من طريق يزيد بن زريع عنه ، ورواه النسائي من طريق عبد الرزاق عنه ، ورواه أيضا سعيد بن أبي حمزة عند أحمد وأبان بن صالح عند النسائي ، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ ، وقد تابع الزهري عن عروة عن هشام بن عروة . وأخرجه مسلم عن الربيع الزهراني عن حماد بن زيد عن هشام بن عروة عن أبيه ( عن عائشة ، رضي الله تعالى عنها ، قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : خمس فواسق يقتلن في الحرم : العقرب والفأرة والحديا والغراب والكلب العقور . ذكر من أخرجه غيره أخرجه مسلم في الحج أيضا عن أبي الطاهر بن السرح وحرملة بن يحيى . وأخرجه النسائي فيه عن يونس بن عبد الأعلى ، كلهم عن ابن وهب عن يونس به ، وروى أحمد في ( مسنده ) بسند صالح عن ابن عباس يرفعه : ( خمس كلهن فاسقة يقتلهن المحرم ويقتلن في الحرم : الحية والفأرة . . ) الحديث . وروى الترمذي من حديث أبي سعيد عن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال : ( يقتل المحرم السبع العادي والكلب العقور والفأرة والعقرب والحدأة والغراب ) . وروى البيهقي من رواية إبراهيم عن الأسود ( عن ابن مسعود : أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، أمر محرما بقتل حية بمنىً ) . ذكر معناه : قوله : ( فاسق ) ، مرفوع على أنه خبر لمبتدأ ، وهو قوله : ( كلهن ) ، وهذه الجملة في محل الرفع على أنها خبر لقوله : ( خمس ) ، وهو قد تخصص بالصفة . قوله : ( يقتلن ) ، الضمير الذي فيه يرجع إلى قوله : ( خمس ) ، وليس يرجع إلى معنى : كل ، كما قاله بعضهم . وفي رواية مسلم من هذا الوجه : ( كلها فواسق ) ، وفي روايته التي تأتي في بدء الخلق : ( خمس فواسق ) . قال النووي : هو بإضافة : خمس ، لا بتنوينه ، وجوز ابن دقيق العيد الوجهين ، وأشار إلى ترجيح الثاني ، فإنه قال : رواية الإضافة تشعر بالتخصيص فيخالفها غيرها في الخكم من طريق المفهوم ، ورواية التنوين تقتضي وصف الخمس بالفسق من جهة المعنى ، فيشعر بأن الحكم المرتب على ذلك وهو القتل معلل بما جعل وصفا وهو الفسق فيدخل فيه كل فاسق من الدواب . قلت : هذا مبني على معرفة معنى الفسق ، فإن كان المعنى في وصف الدواب المذكورة بالفسق خروجها عن حكم غيرها من الحيوان في تحريم قتله يكون معنى الكلبية فيه ظاهرا . وإن كان المعنى خروجها عن حكم غيرها بالإيذاء والإفساد لا يكون معنى الكلبية فيه ظاهرا . فافهم . والفسق في أصل كلام العرب : الخروج ، ومنه فسقت الرطبة إذا خرجت عن قشرها ، وقوله تعالى : * ( ففسق عن أمر ربه ) * ( الكهف : 05 ) . أي : خرج ، وسمي الرجل فاسقا لخروجه عن طاعة ربه ، وهو خروج مخصوص ، وسميت هذه الخمس فواسق لخروجها عن الحرمة التي لغيرهن وأن قتلهن للمحرم وفي الحرم مباح ، فالغراب ينقر ظهر البعير وينزع عينه إذا كان مسيرا ، ويختلس أطعمة الناس ، والحدأة كذلك تختلس اللحم والفراريج ، والعقرب تلدغ وتؤلم ، والفأرة تسرق الأطعمة وتفسدها وتقرض الثياب وتأخذ الفتيلة من السراج وتضرم بها البيت ، والكلب العقور يجرح الناس . قوله : ( يقتلن في الحرم ) على صيغة المجهول ، وقد تقدم في رواية نافع في أول الباب : ( ليس على المحرم في قتلهن جناح ) ، وفي رواية زيد بن جبير : ( يقتل المحرم ) ، وفي رواية حفصة : ( لا حرج على من قتلهن ) ، وفي رواية مسلم من حديث الزهري عن عروة بلفظ : ( يقتلن في الحل والحرم ) ، وفي حديث أبي هريرة عند أبي داود : ( خمس قتلهن حلال ) ، وعند مسلم في حديث زيد بن جبير أنه أي النبي ، صلى الله عليه وسلم ( أمر أو أمر أن تقتل الفأرة . . . ) الحديث . وفي رواية له : ( كان يأمر بقتل الكلب العقور ) ، وفي رواية له : ( خمس من قتلهن وهو حرام فلا جناح عليه فيهن : الفأرة . . . ) الحديث ، وفي رواية الليث عن نافع بلفظ : ( إذن ) ، وحاصل الكل يرجع إلى أن قتل هذه الخمسة فليس فيه إثم على المحرم وفي الحرم ، وعلى الحلال بالطريق الأولى ، وبقية الكلام قد مرت عن قريب .
عمدة القاري — صفحة 183 | العيني