تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عمدة القاري — صفحة 163

مساهمون:

ص١٦٣
بقيمة المقتول لأن الوجوب عليه ، كما في اليمين ، فالخيار إليه وحكم الحكمين لتقدير القيمة ، وهديا نصب على الحال ، أي : في حال الإهداء فإن قلت : إذا كان القاتل أحد الحكمين هل يجوز ؟ قلت : يجوز عند الشافعي وأحمد ، وعند مالك : لا يجوز ، لأن الحاكم لا يكون محكوما عليه في صورة واحدة . قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين حدثنا جعفر هو ابن برقان ( عن ميمون بن مهران : أن أعرابيا أتي أبا بكر ، رضي الله تعالى عنه ، قال : قتلت صيدا وأنا محرم ، فما ترى علي من الجزاء ؟ فقال أبو بكر لأبي بن كعب ، وهو جالس عنده : ما ترى فيها ؟ قال : فقال الأعرابي : أتيتك وأنت خليفة رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، أسألك ، فإذا أنت تسأل غيرك ؟ فقال أبو بكر ، رضي الله تعالى عنه : وما تنكر بقول الله تعالى : * ( فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل ) * ( المائدة : 59 ) . فشاورت صاحبي حتى إذا اتفقنا على أمر أمرناك به ) . وهذا إسناد جيد لكنه منقطع بين ميمون وبين الصديق ، ومثله يحتمل ههنا . وقال ابن جرير : حدثنا وكيع ابن عيينة عن مخارق عن طارق قال أرطأ : أريد ظبيا ، فقتله وهو محرم ، فأتى عمر ، رضي الله تعالى عنه ، ليحكم عليه ، فقال عمر : احكم معي ، فحكما فيه جديا قد جمع الماء والشجر ) . قلت : مخارق هو ابن خليفة الأحمسي الكوفي ، من رجال البخاري ، والأربعة ، وطارق هو ابن شهاب الأحمسي أبو عبد الله الكوفي ، رأى النبي صلى الله عليه وسلم وأدرك الجاهلية ، وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم وغزا في خلافة أبي بكر وعمر ، رضي الله تعالى عنهما ، ثلاثا وثلاثين أو ثلاثا وأربعين من غزوة إلى سرية ، مات سنة اثنتين وثمانين من الهجرة ، وقال يحيى بن معين : مات سنة ثلاث وعشرين ومائة ، وهو وهم ، روى له الجماعة . الوجه الرابع : في بيان الكفارة إذا لم يجد المحرم مثل ما قتل من النعم ، أو لم يكن الصيد المقتول من ذوات الأمثال ، أو قلنا بالتخيير في هذا المقام من الجزاء والإطعام والصيام ، كما هو قول مالك وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ، وأحد قولي الشافعي ، والمشهور عن أحمد لظاهر ، أو بأنها للتخيير ، والقول الآخر ، أنها على الترتيب ، فصورة ذلك أن يعدل إلى القيمة فيقوم الصيد المقتول عند مالك وأبي حنيفة وأصحابه وحماد وإبراهيم . وقال الشافعي : يقوم مثله من النعم لو كان موجودا ثم يشتري به طعاما ويتصدق به فيصدق لكل مسكين مد منه عند الشافعي ومالك وفقهاء الحجاز ، واختاره ابن جرير . وقال أبو حنيفة وأصحابه : يطعم لكل مسكين مدين ، وهو قول مجاهد . وقال أحمد : مد من حنطة ومدان من غيره ، فإن لم يجد قلنا بالتخيير ، صام عن إطعام كل مسكين يوما . وقال ابن جرير . وقال آخرون : يصوم مكان كل صاع يوما ، كما في جزاء المترفة بالحلق ونحوه ، واختلفوا في مكان هذا الإطعام ، فقال الشافعي : محله الحرم وهو قول عطاء ، وقال مالك : يطعم في المكان الذي أصاب فيه الصيد أو أقرب الأماكن إليه ، وقال أبو حنيفة : إن شاء أطعم في الحرم وإن شاء في غيره . الوجه الخامس : في صيد البحر ، وقد ذكرنا في فصل المعنى والإعراب شيئا من ذلك ، وقد استدل جمهور العلماء على حل ميتة البحر بالآية المذكورة ، وبحديث العنبر على ما يجيء ، إن شاء الله تعالى ، وقد احتج بهذه الآية الكريمة من ذهب من الفقهاء إلى أنه يؤكل كل دواب البحر ، ولم يستثن من ذلك شيئا . وقد تقدم عن الصديق أنه قال : طعامه كل ما فيه ، وقد استثنى بعضهم الضفادع ، وأباح ما سواها لما رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي من رواية ابن أبي ذئب : عن سعيد بن خالد عن سعيد بن المسيب ( عن عبد الرحمن بن عثمان التيمي : أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، نهى عن قتل الضفدع ) . وفي رواية للنسائي ( عن عبيد الله بن عمر ، وقال : نهى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، عن قتل الضفدع . وقال : نقيقها تسبيح ) وقال آخرون : يؤكل من صيد البحر السمك ، ولا يؤكل الضفدع . واختلفوا فيما سواهما ، فقيل : يؤكل كل سائر ذلك . وقيل : لا يؤكل ، وهذه كلها وجوه في مذهب الشافعي . وقال أبو حنيفة : لا يؤكل ما مات في البحر كما لا يؤكل ما مات في البر لعموم قوله : * ( حرمت عليكم الميتة ) * ( المائدة : 3 ) . قلت : استثنى منه الجراد ، لقوله صلى الله عليه وسلم : ( أحلت لنا ميتتان ودمان ، فأما الميتتان فالحوت والجراد ، . وأما الدمان فالكبد والطحال ) . وقال الترمذي : باب ما جاء في صيد البحر للمحرم ، حدثنا أبو كريب قال : حدثنا وكيع عن حماد بن سلمة عن أبي المهزم ( عن أبي هريرة ، قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حج أو عمرة ، فاستقبلنا رجل من جراد ، فجعلنا نضربه بأسياطنا وعصينا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كلوا فإنه من صيد البحر ) قال : هذا حديث غريب . وأبو المهزم ، بضم الميم وفتح الهاء وكسر الزاي المشددة اسمه يزيد بن سفيان ، وقد تكلم فيه
عمدة القاري — صفحة 163 | العيني