تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عمدة القاري — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢
كان مع النبي ، صلى الله عليه وسلم ، في عمرة الحديبية ، والشافعي ينفي ، والمثبت مقدم . وأما نحر البقرة فقد رواه الطبراني أيضا كما ذكرناه عن قريب . ذكر معناه : قوله : ( لعلك آذاك ؟ ) وفي لفظ له : ( حملت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ، وفي لفظ : ( وقف علي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية ) . وفي لفظ : ( إنه صلى الله عليه وسلم رآه وأنه يسقط على وجهه ) ، وفي لفظ : ( مرَّ بي النبي صلى الله عليه وسلم ) ، وفي لفظ لمسلم : ( قال : فأتيته ، قال : أدنه ) . وفي لفظ له : ( مر به النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالحديبية قبل أن يدخل مكة وهو محرم ) . فإن قلت : ما الجمع بين اختلاف هذه الروايات والقصة واحدة ؟ قلت : لا تعارض في شيء من ذلك ، أما لفظ : ( لعلك آذاك ؟ ) فساكت عن قيد ، وأما بقية الألفاظ فوجهها أنه مر به وهو محرم في أول الأمر وسأله عن ذلك ، ثم حمل إليه ثانيا بإرساله إليه ، وأما إتيانه فبعد الإرسال ، وأما رأيته إياه فلا بد منها في الكل . وقال القرطبي : في قوله : ( لعلك آذاك هوامك ؟ ) هذا سؤال عن تحقيق العلة التي يترتب عليها الحكم ، فلما أخبره بالمشقة التي نالته أمره بالحلق ، والهوام ، بتشديد الميم : جمع هامة وهي ما تدب من الأحناش ، والمراد بها ملا يلازم جسد الإنسان غالبا إذا طال عهده بالتنظيف ، وقال الكرماني : ولا يقع هذا الاسم إلاَّ على المخوف من الأحناش ، والمراد بها القمل ، لأنه يهم على الرأس أي : يدب قلت : إنما قال : والمراد بها القمل ، لأنه هو المذكور في كثير من الروايات . قوله : ( إحلق رأسك ) ، أمره بالحلق وهو إزالة شعر الرأس ، أعم من أن يكون بالوسى وبالمقص أو بالنورة أو غير ذلك . قوله : ( أو أطعم ستة مساكين ) ليس فيه بيان قدر الإطعام ، وسيأتي البيان فيه عن قريب . قوله : ( أو أنسك بشاة ) ، هكذا وقعت رواية الأكثرين : بشاة ، بالباء ، وفي رواية الكشميهني : ( أو أنسك شاة ) ، بغير باء ، وعلى الأول تقديره : تقرب بشاة ، فلذلك عداه بالباء ، وعلى الثاني تقديره : إذبح . ذكر ما يستفاد منه من الأحكام : منها : جواز الحلق للمحرم للحاجة مع الكفارة المذكورة في الآية الكريمة ، وفي الحديث المذكور ، وهذا مجمع عليه . ومنها : أنه ليس فيه تعرض لغير حلق الرأس من سائر شعور الجسد ، وقد أوجب العلماء الفدية بحلق سائر شعور البدن لأنها في معنى حلق الرأس إلاَّ داود الظاهري فإنه قال : لا تجب الفدية إلاَّ بحلق الرأس فقط ، وحكى الرافعي عن المحاملي : أن في رواية عن مالك لا تتعلق الفدية بشعر البدن . ومنها : أنه أمر بحلق شعر نفسه ، فلو حلق المحرم شعر حلال فلا فدية على واحد منهما عند مالك والشافعي وأحمد ، وحكى عن أبي حنيفة أنه قال : ليس للمحرم أن يحلق شعر الحلال ، فإن فعل فعليه صدقة . ومنها : أنه إذا حلق رأسه أو لبس أو تطيب عامدا من غير ضرورة ، فقد حكى ابن عبد البر في ( الاستذكار ) عن أبي حنيفة والشافعي وأصحابهما ، وأبو ثور : أن عليه دما لا غير ، وأنه لا يخير إلاَّ في الضرورة ، وقال مالك : بئس ما فعل وعليه الفدية ، وهو مخير فيها . وقال شيخنا زين الدين : وما حكاه عن الشافعي وأصحابه ليس بجيد ، بل المعروف عنهم وجوب الفدية ، كما جزم به الرافعي ، كما أوجبوا الكفارة في اليمين الغموس ، بل أولى بالوجوب . ومنها : أنه أطلق الحلق لكعب بن عجرة ولكن لضرورته ، ولغير الضرورة لا يجوز للمحرم حتى إذا حلق من غير ضرورة يلزمه الفدية ، سواء كان عامدا أو ناسيا أو عالما أو جاهلاً ، وذهب إسحاق وداود إلى أنه : لا شيء على الناسي . ومنها : أنه قدم الحلق على الصوم والإطعام ، وفي الآية قدم الصوم ، فهل يفهم منه وجوب الترتيب أو المراد الأفضلية فيما قدم في الآية والحديث ؟ والجواب أن الحديث اختلفت ألفاظه في التقديم والتأخير ، ففي حديث الباب قدم الحلق ، وفي الحديث الآخر قدم الصوم ، حيث قال : ( صم ثلاثة أيام أو تصدق بفرق بين ستة مساكين أو أنسك ما تيسر ) . وهذا موافق للآية ، وفي رواية لمسلم : ( قال أيوب : فلا أدري بأي ذلك بدأ ) . وفي رواية له : ( إذبح شاة نسكا أو صم ثلاثة أيام أو أطعم . . ) الحديث ، وعلى هذا فلا فضل في تقديم أحد الأنواع على بعضها من هذا الحديث ، لكن قد يستدل بتقديم الشاة في الكفارة المرتبة على أفضلية تقديم الذبح في غير المرتبة . ومنها : أنه خيره بين الصوم والإطعام والذبح ، وقال أبو عمر : عامة الآثار عن كعب وردت بلفظ التخيير ، وهو نص القرآن العظيم ، وعليه مضى عمل العلماء في كل الأمصار ، ويؤيده ما رواه ابن أبي حاتم في ( تفسيره ) عن أبي سعيد الأشج : حدثنا حفص