تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عمدة القاري — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠
72 ( ( كتابُ المُحْصَرِ وجَزَاءِ الصَّيْدِ ) ) أي : هذه أبواب في بيان أحكام المحصر وأحكام جزاء الصيد الذي يتعرض إليه المحرم ، وثبتت البسملة لجميع الرواة ، وفي رواية أبي ذر : أبواب ، بلفظ الجمع وفي رواية غيره : باب ، بالإفراد . وقَوْلِهِ تَعَالى : * ( فإنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ ولاَ تَحْلِقُوا رُؤوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ) * ( البقرة : 691 ) . وقوله ، بالجر عطف على قوله : ( المحصر ) ، أي : وفي بيان المراد من قوله تعالى : * ( فإن أحصرتم * ( ( البقرة : 691 ) . الكلام ههنا على أنواع : الأول في معنى الحصر والإحصار . الإحصار : المنع والحبس عن الوجه الذي يقصده ، يقال : أحصره المرض أو السلطان إذا منعه عن مقصده ، فهو محصر ، ، والحصر الحبس ، يقال : حصره إذا حبسه فهو محصور ، وقال القاضي إسماعيل : الظاهر أن الإحصار بالمرض والحصر بالعدو ، ومنه : فلما حصر رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وقال تعالى : * ( فإن أحصرتم ) * ( البقرة : 691 ) . وقال الكسائي : يقال من العدو : حصر فهو محصور ، ومن المرض : أحصر فهو محصر ، وحكى عن الفراء أنه أجاز كل واحد منهما مكان الآخر ، وأنكر المبرد والزجاج ، وقالا : هما مختلفان في المعنى ، ولا يقال في المرض : حصره ، ولا في العدو : أحصره ، وإنما هذا كقولهم حبسه إذا جعله في الحبس ، وأحبسه أي عرضه للحبس ، وقتله أوقع به القتل ، وأقتله أي عرضه للقتل ، وكذلك حصره : حبسه ، وأحصره ، عرضه للحصر . النوع الثاني : في سبب نزول هذه الآية : ذكروا أن هذه الآية نزلت في سنة ست ، أي : عام الحديبية حين حال المشركون بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين الوصول إلى البيت ، وأنزل الله في ذلك سورة الفتح بكمالها ، وأنزل لهم رخصة أن يذبحوا ما معهم من الهدي ، وكان سبعين بدنة ، وأن يتحللوا من إحرامهم ، فعند ذلك أمرهم ، عليه السلام ، أن يذبحوا ما معهم من الهدي وأن يحلقوا رؤوسهم ويتحللوا ، فلم يفعلوا انتظارا للنسخ ، حتى خرج فحلق رأسه ، ففعل الناس ، وكان منهم من قص رأسه ولم يحلقه ، فلذلك قال صلى الله عليه وسلم : ( رحم الله المحلقين ! قالوا : والمقصرين يا رسول الله ؟ فقال في الثالثة : والمقصرين ) ، وقد كانوا اشتركوا في هديهم ذلك كل سبعة في بدنة ، وكانوا ألفا وأربعمائة ، وكان منزلهم بالحديبية خارج الحرم ، وقيل : بل كانوا على طرف الحلم . النوع الثالث في تفسير هذه الآية : قوله : * ( فإن أحصرتم ) * ( البقرة : 691 ) . أي : منعتم عن تمام الحج والعمرة فحللتم : * ( فما استيسر ) * ( البقرة : 691 ) . أي : فعليكم ما استيسر * ( من الهدي ) * ( البقرة : 691 ) . أي : ما تيسر منه ، يقال : يسر الأمر واستيسر ، كما يقال : صعب واستصعب . وقال الزمخشري : الهدي جمع هدية ، كما يقال في جدية السرج جدي ، وقرئ : من الهدي ، بالتشديد جمع هدية ، كمطية ومطي ، وحاصل المعنى : فإن منعتم من المضي إلى البيت وأنتم محرمون بحج أو عمرة فعليكم إذا أردتم التحلل ما استيسر من الهدي من بعير أو بقرة أو شاة . قوله : * ( ولا تحلقوا رؤوسكم ) * ( البقرة : 691 ) . عطف على قوله : * ( وأتموا الحج والعمرة لله ) * ( البقرة : 691 ) . وليس معطوفا على قوله : * ( فإن أحصرتم ) * ( البقرة : 691 ) . كما زعمه ابن جرير ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عام الحديبية لما حصرهم كفار قريش عن الدخول إلى الحرم حلقوا وذبحوا هديهم خارج الحرم ، وأما في حال الأمن والوصول إلى الحرم فلا يجوز الحلق حتى يبلغ الهدي محله ، ويفرغ الناسك من أفعال الحج والعمرة إن كان قارنا أو من فعل أحدهما إن كان مفردا أو متمتعا . النوع الرابع : اختلاف العلماء في الحصر ، بأي شيء يكون ، وبأي معنى يكون ، فقال قوم وهم عطاء بن أبي رباح وإبراهيم النخعي وسفيان الثوري : يكون الحصر بكل حابس من مرض أو غيره من عدو وكسر وذهاب نفقة ونحوها مما يمنعه عن المضي إلى البيت ، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وزفر . وروي ذلك عن ابن عباس وابن مسعود وزيد بن ثابت . وقال آخرون ، وهم الليث بن سعد ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق : لا يكون الإحصار إلا بالعدو فقط ، ولا يكون بالمرض ، وهو قول عبد الله بن عمر . وقال الجصاص في ( كتاب الأحكام ) وقد اختلف السلف في حكم المحصر على ثلاثة أنحاء ، روي عن ابن مسعود وابن عباس : العدو والمرض سواء ، يبعث دما ، ويحل به إذا أنحر في الحرم ، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه . والثاني : قول ابن عمر إن المريض لا يحل ولا يكون محصورا إلا بالعدو ، وهو قول
عمدة القاري — صفحة 140 | العيني