قول العجاج : وقول بعضهم كاظمين ، أي ساكتين ، لا ينافي ما ذكرنا ، لأن الخوف والغم الذي ملأ قلوبهم يمنعهم من الكلام ، فلا يقدرون عليه ، ومن إطلاق الكظم على السكوت قول العجاج :
* وربّ أسراب حجيج كظَّم
* عن اللَّغا ورمَثِ التكلُّمِ
*
ويرجع إلى هذا القول معنى قول من قال : كاظمين أي لا يتكلمون إلا من أذن له الله ، وقال الصواب ، كما قال تعالى : * ( لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَانُ وَقَالَ صَوَاباً ) * .
وقوله : * ( كَاظِمِينَ ) * حال من أصحاب القلوب على المعنى . والتقدير إذ القلوب لدى الحناجر أي إذ قلوبهم لدى حناجرهم في حال كونهم كاظمين ، أي ممتلئين خوفاً وغماً وحزناً ، ولا يبعد أن يكون حالاً من نفس القلوب ، لأنها وصفت بالكظم الذي هو صفة أصحابها .
ونظير ذلك في القرآن : * ( إِنِّى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِى سَاجِدِينَ ) * فإنه أطلق في هذه الآية الكريمة ، على الكواكب والشمس والقمر صفة العقلاء في قوله تعالى : * ( رَأَيْتُهُمْ لِى سَاجِدِينَ ) * ، والمسوغ لذلك وصفه الكواكب والشمس والقمر بصفة العقلاء التي هي السجود .
ونظير ذلك أيضاً قوله تعالى * ( إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ السَّمَآءِ ءَايَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ ) * وقوله تعالى : * ( قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ ) * . قوله تعالى : * ( مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ ) * . قد قدمنا الكلام عليه في سورة البقرة وسورة الأعراف ، وأحلنا عليه مراراً . قوله تعالى : * ( يَعْلَمُ خَآئِنَةَ الاٌّ عْيُنِ وَمَا تُخْفِى الصُّدُورُ ) * . قد قدمنا الكلام على ما يماثله من الآيات في أول سورة هود ، وفي غيرها وأحلنا عليه أيضاً مراراً . قوله تعالى : * ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِأايَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَشرُونَ فَقَالُواْ سَاحِرٌ كَذَّابٌ ) * . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة ، أنه أرسل نبيه موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ، بآياته وحججه الواضحة كالعصا واليد البيضاء إلى فرعون وهامان وقارون
أضواء البيان — صفحة 382
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص٣٨٢