وأن أصل القط كتاب الجائزة لأن الملك يكتب فيه النصيب الذي يعطيه لذلك الإنسان ، وجمعه قطوط ، ومنه قول الأعشى :
* ولا الملك النعمان حين لقيته
* بغبطته يعطي القطوط ويأفق
*
وقوله : ويأفق أي يفضل بعضهم على بعض في العطاء المكتوب في القطوط . قوله تعالى : * ( إِنَّا سَخَّرْنَا الجِبَالَ مَعَهُ ) * إلى قوله * ( أَوَّابٌ ) * . وقد قدمنا الآيات الموضحة له ، في سورة الأنبياء ، في الكلام على قوله تعالى : * ( وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ ) * . قوله تعالى : * ( وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ فَغَفَرْنَا لَهُ ذَالِكَ ) * . قد قدمنا الكلام على مثل هذه الآية ، من الآيات القرآنية التي يفهم منها صدور بعض الشيء ، من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ، وبينا كلام أهل الأصول في ذلك في سورة طه ، في الكلام على قوله تعالى : * ( وَعَصَىءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ) * .
واعلم أن ما يذكره كثير من المفسرين في تفسير هذه الآية الكريمة ، مما لا يليق بمنصب داود عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ، كله راجع إلى الإسرائيليات ، فلا ثقة به ، ولا معوّل عليه ، وما جاء منه مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم لا يصح منه شيء . قوله تعالى : * ( يادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِى الاٌّ رْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ) * . قوله تعالى في هذه الآية الكريمة : * ( إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِى الاٌّ رْضِ ) * ، قد بينا الحكم الذي دل عليه ، في سورة البقرة ، في الكلام على قوله تعالى : * ( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِى الأَرْضِ خَلِيفَةً ) * . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة * ( فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ) * قد أمر نبيه داود فيه ، بالحكم بين الناس بالحق ونهاه فيه عن اتباع الهوى ، وأن اتباع الهوى ، علة للضلال عن سبيل الله ، لأن الفاء في قوله فيضلك عن سبيل الله تدل على العلية .
وقد تقرر في الأصول ، في مسلك الإيماء والتنبيه ، أن الفاء من حروف التعليل كقوله : سهى فسجد ، وسرق فقطعت يده ، أو لعلة السهو في الأول ، ولعلة السرقة في الثاني ، وأتبع ذلك بالتهديد لمن اتبع الهوى ، فأضله ربنا عن سبيل الله ، في قوله تعالى بعده يليه : * ( إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ الْحِسَابِ ) * .
أضواء البيان — صفحة 339
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص٣٣٩