تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان — صفحة 308

مساهمون:

ص٣٠٨
الألفاظ ، لا بخصوص الأسباب ، وبينا أدلة ذلك من السنة الصحيحة ، فقد صرح تعالى في هذه الآية الكريمة ، برفع الحرج عن الذين لا يجدون ما ينفقون . ولا شك أن الذي يتكفف الناس لشدة فقره ، داخل في عموم الذين لا يجدون ما ينفقون . وقد صرح تعالى بنفي الحرج عنهم ، فيلزم من ذلك نفي الحرج عنه في وجوب الحج ، وهو واضح . وقد استدل الشيخ ابن القاسم رحمه الله بهذه الآية المذكورة على ما ذكرنا . ولكن كثيراً من متأخري علماء المالكية حملوا قول ابن القاسم الذي احتج عليه بالآية المذكورة ، على من ليس عادته السؤال في بلده ، قالوا : فلم يتناول قوله محل النزاع . قال مقيده عفا الله عنه وغفر له : ظاهر الآية الكريمة العموم في جميع الذين لا يجدون ما ينفقون ، فتخصيصها بمن ليس عادته السؤال ، بدون دليل من كتاب ، أو سنة لا يصح ولا يعول عليه . وقد تقرر في الأصول أنه لا يمكن تخصيص العام إلا بدليل يجب الرجوع إليه . سواء كان من المخصصات المتصلة ، أو المنفصلة . ومما يؤيد هذا في الجملة ما ثبت في صحيح البخاري . حدثنا يحيى بن بشر ، حدثنا شبابة ، عن ورقاء ، عن عمرو بن دينار ، عن عكرمة ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان أهل اليمن يحجُّون ، ولا يتزودون ، ويقولون : نحن المتوكلون ، فإذا قدموا المدينة سألوا الناس ، فأنزل الله تعالى * ( وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ) * ورواه ابن عيينة ، عن عكرمة مرسلاً . انتهى من صحيح البخاري . وقال ابن حجر في الفتح في الكلام على هذا الحديث : قال المهلب : في هذا الحديث من الفقه : أن ترك السؤال من التقوى ، ويؤيده أن الله مدح من لم يسأل الناس إلحافاً ، فإن قوله * ( فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ) * أي تزودوا ، واتقوا أذى الناس بسؤالكم إياهم والإثم في ذلك . انتهى محل الغرض منه . وفيه دليل ظاهر : على حرمة خروج الإنسان حاجاً ، بلا زاد ، ليسأل الناس وظاهرها العموم في كل حاج يسأل الناس فقيراً كان ، أو غنياً كانت عادته السؤال في بلده أو لا ، وحمل النصوص على ظواهرها واجب إلا بدليل يجب الرجوع إليه ، ومما يؤيد هذا أن الذين مدحهم الله في كتابه ، بتركهم سؤال الناس ، كانوا من أفقر الفقراء كما هو معلوم ، وقد صرح تعالى بأنهم فقراء وأشار لشدة فقرهم ، وذلك في قوله تعالى * ( لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِى الاٌّ رْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ التَّعَفُّف