قال مقيده عفا الله عنه : هذه الأدلة التي استدل بها المالكية ، لا تنهض فيما يظهر ، لأن الأحاديث المذكورة لا يتعين وجه الدلالة فيها ، لأنه يحتمل أن يكون الإمام مخيراً ، فاختار إبقاءها للمسلمين ، ولم يكن واجباً في أول الأمر ، كما قدمنا .
والاستدلال بآية الحشر المذكورة : واضح السقوط ، لأنها في الفيء ، والكلام في الغنيمة ، والفرق بينهما معلوم كما قدمنا .
قال مقيده : عفا الله عنه أظهر الأقوال دليلاً أن الإمام مخير ، ويدل عليه كلام عمر في الأثر المار آنفاً ، وبه تنتظم الأدلة ، ولم يكن بينها تعارض ، والجمع واجب متى ما أمكن .
وغاية ما في الباب : أن تكون السنة دلت على تخصيص واقع في عموم قوله تعالى : * ( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ ) * .
وتخصيص الكتاب بالسنة كثير .
قال القرطبي في تفسير هذه الآية التي نحن بصددها ، بعد أن ذكر القول بالتخيير : ما نصه : ( قال شيخنا أبو العباس رضي الله عنه : وكأن هذا جمع بين الدليلين ، ووسط بين المذهبين ، وهو الذي فهمه عمر رضي الله عنه قطعاً .
ولذلك قال : ( لولا آخر الناس ) فلم يخبر بنسخ فعل النَّبي صلى الله عليه وسلم ؛ ولا بتخصيصه بهم .
فإن قيل : لا تعارض بين الأدلة على مذهب الشافعي : لأن ما وقع فيه القسم من خيبر مأخوذ عنوة ، وما لم يقسم منها مأخوذ صلحاً ، والنضير فيء ، وقريظة قسمت .
ولو قال قائل : إنها فيء أيضاً ؛ لنزولهم على حكم النَّبي صلى الله عليه وسلم ، قبل أن يحكم فيهم سعداً ، لكان غير بعيد ؛ ولكن يرده : أن النَّبي صلى الله عليه وسلم خمسها ، كما قاله مالك ، وغيره .
ومكة مأخوذة صلحاً ؛ بدليل قوله صلى الله عليه وسلم : ( من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، ومن ألقى السلاح فهو آمن ، ومن أغلق بابه فهو آمن ) .
هذا ثابت في صحيح مسلم .
فالجواب : أن التحقيق أن مكة فتحت عنوة ، ولذلك أدلة واضحة .
منها : أنه لم ينقل أحد أن النَّبي صلى الله عليه وسلم صالح أهلها زمن الفتح ، ولا جاءه أحد منهم ؛ فصالحه على البلد ؛ وإنما جاءه أبو سفيان ؛ فأعطاه الأمان لمن دخل داره ، أو أغلق بابه ،
أضواء البيان — صفحة 70
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص٧٠