فمادام القلب غير مستضيء بمشاهدة معنى ما يلفظه اللسان ( أي فاقداً للإيمان ) ، كان المرء منافقاً . وأمّا تشخيص المنافقين من قِبل الآخرين ، فيحصل بالآثار والعلامات الدالّة على عدم الاعتقاد بما يتلفظون به ، لأنّ مقتضى الشهادتَين هو العِلم بوحدانيّة المعبود وصِدق كل ما جاء به الرسول ، وأثر ذلك في الظاهر هو ترك عبادة غير الواحد وإطاعة كلّ ما جاء به الرسول . فمَن عبد سوى الله كان منافقاً . وقد يكون المعبود الهوى :
أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ
[ الآية 23 ، من السورة 45 : الجاثية ] ، وقد يكون إبليس :
أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ
[ الآية 60 ، من السورة 36 : يس ] . وجليّ أنّ هذا الاستنكار ليس موجّهاً لمَن يعبد الشيطان ، إذ لم يُعهَد مثل هذا المذهب لدى البشر ، بل لمن يتبع الشيطان . فمَن تبع الشيطان ، فإنّه سيكون قد عبده .
وقد يكون المعبود شخصاً آخر ، يعبده طمعاً في ماله أو جاهه ، وقد يكون الدرهم والدينار وغير ذلك « 1 » . الشرح فمَن تبعها في
تعريف المؤمن
هامش
( 1 ) - المؤمن هو الذي يعتقد بحصر الالوهيّة في الله تعالى قولًا وفعلًا واعتقاداً وسرّاً وعلانيةً ، إذ لا إله إلّا الله :هُوَ الْحَيُّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ( الآية 65 ، من السورة 40 : غافر ) ، ولذا نهت الشريعة عن اتّخاذ أيّ نوع من الآلهة :وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ( الآية 88 ، من السورة 28 : القصص ) ، سواء كان الإله صنماً غير شاعر ولا مُدرك ، كما فعل قومُ موسى حين طلبوا مثل هذا الإله :قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ( الآية 138 ، من السورة 7 : الأعراف ) ؛ أو كان إبليساً ، أو هوى النفس ( وهو من جُند إبليس وآلته المسيّرة ) أو إنساناً آخراً طمعاً في ماله أو جاهه ، أو خوفاً منه ، كما كان فِرعون يعتبر نفسَه إلهاً ويدعو موسى إلى العبوديّة له :قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ( الآية 29 ، من السورة 26 : الشعراء ) ؛ أو طمعاً في الجنّة وبلوغ المقامات أو الغفران ، كما فعل النصارى :اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ( الآية 31 ، من السورة 9 : التوبة ) ؛ أو الأموال والأولاد ، حيث يقول :يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ( الآية 9 ، من السورة 63 : المنافقون ) ، لأنّ كلّ ما يُلهي الإنسان عن الله تعالى سيكون إلهاً له ، سواء ألهاه زوجته أو بطنه . قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في وصاياه لابن مسعود في صفة قوم آخر الزمان : مَحَارِيبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ ، وَآلِهَتُهُمْ بُطُونُهُمْ . ( « مكارم الأخلاق » للطبرسيّ ، ص 249 ) .