تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوافي — صفحة 1068

مساهمون:

ص١٠٦٨
الفقيه ، 3 / 233 / 3859 ابن بكير عن زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام قال « إن سمرة بن جندب كان له عذق في حائط لرجل من الأنصار وكان منزل الأنصاري بباب البستان وكان يمر به إلى نخلته ولا يستأذن ( 1 ) فكلمه الأنصاري أن يستأذن إذا جاء فأبى سمرة فلما أبى ( 2 ) جاء الأنصاري إلى رسول اللَّه صلّى الله عليه وآله وسلّم فشكى إليه فأخبره الخبر فأرسل إليه رسول اللَّه صلّى الله عليه وآله وسلّم وخبره بقول الأنصاري وما شكاه وقال إذا أردت الدخول فاستأذن فأبى فلما أبى ساومه حتى بلغ به من الثمن له ما شاء اللَّه فأبى أن يبيعه فقال لك بها عذق يمد لك ( مدلل خ ل ) في الجنة فأبى أن يقبل فقال رسول اللَّه صلّى الله عليه وآله وسلّم للأنصاري اذهب فاقلعها وارم بها إليه فإنه لا ضرر ولا ضرار » ( 3 ) .
هامش
( 1 ) قوله « وكان يمر به إلى نخلته ولا يستأذن . . . » الحديث معتبر منقول بطرق مختلفة عن العامة والخاصة فلا بأس بالعمل به في مورده وهو أن يكون لرجل عذق في أرض آخر ولا يستأذن في الدخول ويأبى عن البيع والمعاوضة ، وأما إذا تخلف بعض الشروط مثل أن يكون مال آخر غير النخل كشجرة التفاح أو زرع أو بناء أو كان الأرض غير مسكونة لأحد وكان الداخل يستأذن إذا دخل أو يرضى بعوضه أو عوض ثمرته فهو خارج عن مدلول الحديث ، ويمكن تعميم الحكم بالبينة إلى كل شجرة غير النخل وإلى الزرع والبناء والاضرار بأمور أخرى غير عدم الاستيذان ، وأما إذا لم يضر واستأذن أو رضى بعوض فوق قيمته فجواز قلع الشجرة أو هدم البناء ممنوع ، وبالجملة القدر المسلم حرمة إضرار الغير إلا أن يكون في أموال حفظها على مالكها ففرط في حفظها وتضرر بتفريطه في الحفظ فيجوز أن يعمل في ملكه عملا يضر جاره إذ على الجار أيضا حفظ ملكه ثم إن الضرر مع حرمته لا يوجب لنا جواز اختراع أحكام من قبل أنفسنا لدفع الضرر مثلا إذا تلفت غلة قرية بآفة لا يجوز لنا الحكم ببراءة ذمة المستأجر من مال الإجارة أو إذا استلزم خروج المستأجر من الدار والحانوت وانتقاله لا ينفى عنها بمقتضياتها إذا استلزم ضررا ، وكذلك لا يحلل به المحرمات كالربا إذا استلزم الامتناع منه ضررا ويجب في كل مورد موارد الضرر اتباع الأدلة الخاصة به . « ش » . ( 2 ) في الكافي والتهذيب : تأبى بدل أبي . ( 3 ) قوله « لا ضرر ولا ضرار » الضرر معروف وذكروا في الفرق بينهما ما هو معروف ولا يبعد أن يكون المراد من الضرار أن يماكس في شيء يضر صاحبه ولا ينتفع به نفسه ، ويقال له في لساننا لجبازي وآزار . وقد كتب الشيخ المحقق الأنصاري « ره » في تفسير العبارة رسالة بديعة أودع فيها من نفائس المباحث ما هو معروف ولا يراد بنفي الضرر عدم وجوده تكوينا لأنه موجود ، بل المراد منه النهي عنه نظير قوله عليه السلام : « لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب ولا بيع إلا في ملك » فيكون إنشاء ويستلزم النهي في أمثال هذه التراكيب بطلان ما تعلق به ، فيستفاد منها النهي الوضعي مع التكليفي ، وقيل إنه إخبار عن عدم وجود حكم يوجب الضرر في أحكام الشريعة وكونه إنشاء أعني نهيا شاملا للحكم التكليفي والوضعي أظهر كساير أمثاله مما لا يحصى ، ومن تحقيقات الشيخ المحقق المذكور في رسالته إن قوله عليه السلام لا ضرر ولا ضرر حاكم على أدلة ساير الأحكام والحكومة في اصطلاح الشيخ أن يكون هناك خبران لا يكون لأحدهما موقع إلا بعد فرض وجود حكم الأول ، مثلا قولهم : « الضرورات تبيح المحظورات » لا يمكن صدوره من متكلم إلا بعد وجود فعل محظور قبل صدور هذا الكلام يكون ناظر إليه ، فيقال هذا حاكم على ذاك بخلاف ، مثل قولهم « لا تكرم الفساق » ، فإنه يصح صدوره من المتكلم غير ناظر إلى حكم آخر إذ يصح أن يصح أن يتكلم به المتكلم سواء صدر قبله منه أكرم العلماء أولا فليس قولهم « لا تكرم الفساق » حاكما على قولهم أكرم العلماء ، وعلى هذا فإن حملنا قوله عليه السلام لا ضرر ولا ضرار على النهي كما هو الأظهر والأشبه بأمثاله ، فليس حاكما على ساير التكاليف إذ يصح أن ينهى الشارع الناس عن الاضرار بغيرهم وإن لم يكن غير هذا حكم في الشريعة أصلا ولا يكون أمر لصلاة ولا صوم ولا زكاة ولا نهي عن زنا وشرب مسكر ، ويجوز أن ينهى عن الاضرار من غير أن يكون ناظرا إلى حكم ، ولكن إن حمل قوله عليه السلام : « لا ضرر ولا ضرار على الأخبار » أي لا يكون في الأحكام المعجولة من الشارع حكم ضرري فيكون حاكما على اصطلاح الشيخ « ره » إذ هو ناظر إلى ساير الأحكام بل لا يمكن صدور مثل هذا الكلام عن متكلم إلا أن يكون له أحكام قبل ذلك أو بعده نظير قوله تعالى : « ما جعل عليكم في الدين من حرج » فإنه يتوقف على دين وأحكام ويكون نفي الحرج ناظر إليه فإن قيل النهي عن شيء متوقف على قدرة المكلف على الفعل قبل النهي وناظر إليه . فقوله « لا تزن » أي حرم عليك أيها القادر على الزنا ، وكذلك لا ضرر أيها القادر على الاضطرار شرعا أو عقلا فيكون النهي عن الضرر حاكما على ما يدل على قدرة المكلف على ما يوجب الضرر ، مثل الناس مسلطون على أموالهم ، مما يدل على قدرة الناس ، قلنا القدر المسلم هنا إن النهي يتوقف على ملا حظة القدرة العقلية كالنهي عن الزنا والسرقة فلا يصدر مثل قوله لا ضرر ولا ضرار ، إلا ناظرا إلى القدرة العقلية ، وأما القدرة الشرعية أعني أدلة جواز بعض الأعمال شرعا فلا دليل على كون النهي عن الضرر وناظرا إليها بعد إمكان صدور مثل هذا الكلام قبل صدور كل دليل شرعي ولا مانع من أن يقال أدلة القدرة مثل الناس مسلطون مقدمة على دليل نفي الضرر إذ كلاهما دليل شرعي . وقال بعضهم في معنى الحكومة بأنها ما لا يتردد الناس في تقديم أحد الدليلين على الآخر كالخاص فإنه حاكم على العام إذ لا يتردد أحد في تقديمه عليه ، وعلى هذا فلا ريب في إنه ليس مثل لا ضرر حاكما على مثل الناس مسلطون على أموالهم إذ يتردد فيه الناس ، بلى ربما يتردد فيه الفقهاء المحققون العظام ، كما قال الشيخ المحقق المذكور في رسالته ان تصرف المالك في ملكه إذا استلزم تضرر جاره أم لا ، والمشهور الجواز إلخ ، وربما يقال إن قوله لا ضرر ولا ضرار حكمة لا يجوز لنا أن نخترع أحكاما غير منقولة اعتمادا على النهي عن الضرر مثلا لو لم يكن فسخ البيع مشروعا في الغبن لم يكن لنا اختراع الفسخ فيه لدفع الضرر كما لا نقول بتجويز فسخ النكاح للمرأة إذا اقتضى استمراره ضررا على المرأة أو على أحد أقربائها ، فيجب في كل مسئلة يتمسك فيها بنفي الضرر التماس دليل آخر ويجعل النفي مؤيدا له ثم إن الظاهر من كلام الشيخ المحقق الأنصاري رحمه الله إن الحكومة اصطلاح له في دليلين غير قطعيين يحتاج في تقديم أحدهما على الآخر إلى مرجح إسنادي أو دلالي فيكتفي بالحكومة عن الترجيح ، وأما مثل النهي عن الاضطرار وتسلط الناس على أموالهم وحرمة الغصب وأمثال ذلك فأحكام ضرورية في شرع الإسلام ثابته لا يحتاج في أمثالها إلى ترجيح إسنادي وهو واضح ولا إلى ترجيح دلالي ، إذ لا نشك في شمولها لجميع الموارد ولم يخصص أحدهما بالآخر فكل اضرار مبغوض وكل غصب حرام ، وانما يشك إذا لم يمكن في مقام العمل امتثال كلا الحكمين ، فلا نعلم إن الشارع أراد منا مثلا رعاية حق الجار أو رعاية حق المالك لا لقصور في دلالة لفظه وشمولها بل لتعارض المصالح وعدم إمكان الجمع بينهما ، وهذا النوع من التعارض يسمى في عرف المتأخرين بالتزاحم فهو نظير قولهم صل ولا تغصب لأن كليهما حكم ضروري ثابت في الشرع بغير تردد ، ولا معنى لترجيح أحدهما على الآخر من جهة السند ولا من جهة الدلالة ، وإنما يشك في كون الصلاة في مكان مغصوب مبغوضة أو مطلوبة لا لضعف إسنادي أو دلالي بل لأمر آخر وهو اجتماعها بسوء إختيار المكلف ، وكذلك معارضة نفي الضرر وتسلط الناس على أملاكهم ، ثم إن الضرر الطارئ على الإنسان بسبب التزامه بحكم الشارع ليس منفيا في الشريعة قطعا كالمستأجر الذي يوجب انتقاله بعد مدة الإجارة عليه ضررا عظيما ، والمرأة التي يكون استمرار نكاحها ضررا عظيما وغير ذلك مما لا يتناهى في أبواب المعاملات والأنكحة ، كما إن الجهاد والحج لا ينفى بأدلة نفي الحرج فلا يصح أن يقال يرتفع جميع الأحكام بقوله « لا ضرر » كما لا يرتفع الجهاد بقوله « لا حرج » ويتضرر كثير من متديني التجار بترك الربا لأن أكثر المعاملات مبنيه عليه فحرمة الأضرار إنما هي فيما لم يكن ذلك بأمر الشارع ومقتضى أحكامه الثابتة فما يظن إن قوله لا ضرر حاكم على جميع الأحكام مشكل ، بل يجب تحمل الضرر كثيرا لوجود ساير الأحكام فإن كانت حكومة كان الحق أن يقال ساير الأحكام حاكمة على قوله لا ضرر في هذه الموارد . « ش » .
الوافي — صفحة 1068 | الفيض الكاشاني / مركز التحقيقات الدينية والعلمية في مكتبة الإمام أمير المؤمنين علي ( ع )