أما تحقيق التقدم المادي وحده مع إهمال العناية بالوضعية الأخلاقية
والمعنوية للإنسانية أو مع التضحية بها فإنه كقصر العناية على الوضعية
الأخلاقية والروحية مع إهمال شؤون التقدم المادي - كلاهما لا يمثلان النظرة
المتوازنة التي يجب أن تقوم عليها حركة الإنسان التاريخية وتبنى على هديها
مؤسسات الحضارة . إن كل واحد من الاتجاهين يمثل انحرافا معينا لا يخدم
الإنسانية ولا يبني الحضارة .
إننا - وفقا لهذه النظرة المتوازنة - كما نعتبر النقص في إنتاج السلع والخدمات
المادية بدرجة تكفي أكبر عدد من الناس وتحقق لهم الرفاهية واللذة - كما نعتبر
هذا النقص وما يتصل به تخلفا ، كذلك نعتبر من أسوأ مظاهر التخلف : تزايد الجرائم
في المجتمع بشتى أنواعها ، وتصدع الأسرة ، وجفاف العلاقات الإنسانية النظيفة ،
ونمو روح الحرب والعدوان داخل المجتمعات وبين الجماعات القومية والوطنية ، وهو
أن الحياة البشرية عندما تكون خارج الإطار القومي والعنصري للمعتدي . . . وغير ذلك
من مظاهر فساد الوضعية الأخلاقية للإنسان فردا وجماعة ومجتمعا ودولة .
ووفقا لهذه النظرة المتوازنة يكون من الخطأ تقسيم عالم اليوم إلى عالم متقدم
وعالم متخلف . إن عالم اليوم كله - وفقا لهذه النظرة - متخلف ، فإنه إذا كان
العالم الثالث متخلفا على مستوى المادة وأساليب التنظيم والإدارة ، فإن العالم
الآخر متخلف من حيث الوضعية الأخلاقية والعلاقات الإنسانية والصفات الإنسانية في
أفراده وجماعاته ومجتمعاته .
وسنرى ، خلال هذا البحث ، أن منطلق أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في
فهمه للتاريخ وحركة الإنسان في الحاضر نحو المستقبل هو هذه النظرة المتوازنة
التي اشتمل عليها الإسلام ، وعبر عنها القرآن الكريم ، والسنة الشريفة ، والفقه
المستمد منهما المبني عليهما .
التاريخ وحركة التقدم البشري ونظرة الإسلام — صفحة 27
مساهمون: الشيخ محمد مهدي شمس الدين
ص٢٧