فإننا نجد : أنه حتى هؤلاء . . بل وحتى كثير من الذين شاركوا في صنع ذلك الحدث لا
يستطيعون : أن يقدموا صورة واضحة المعالم عن ذلك الحديث المفترض ، ولا عن علله
وأسبابه ، وآثاره ونتائجه . . بل قد نجدهم يعطون تفسيرات مختلفة . . بل وحتى متباينة
أحيانا . . رغم افتراضنا مسبقا : أنهم جميعا صادقون في رغبتهم بإعطاء الحقيقة ، كل
الحقيقة في هذا المجال . .
وما ذلك . . إلا لأن الناس يختلفون في مستويات إدراكهم ووعيهم ، وفي نسبة اطلاعهم
على جزئيات وظروف ذلك الحدث . الأمر الذي يؤثر على قدرتهم على فهمه واستيعابه
أحيانا ، ثم على ربطه بغيره ، فضلا عن ادراك علله وأسبابه . . ثم آثاره ونتائجه على
النحو الأفضل والأتم . .
كل ذلك . . فيما لو كان الحدث عاديا ، لا يوجد من يهتم بالتلاعب فيه ، أو بالتعتيم
عليه . . فكيف إذن تكون الحال بالنسبة لتلك الأحداث ، التي تشارك في صنعها أيد خفية ،
وتعمل على تزييف التعتيم أو على كثير من الحقائق . . ثم على التحوير والتزوير فيها ،
وفي خصوصياتها وملامحها . .
وإذا كانت الأحداث التي دونت ووصلت إلينا أكثرها أو كثير منها ولا سيما أكثرها
حساسية ، وأعظمها أهمية هي من هذا النوع بالذات . . فإننا ندرك : مدى حاجتنا إلى
الناقل الخبير ، والناقد البصير في هذا المجال . . كما أننا ندرك مدى أهمية وتأثير
الوسائل التي لا بد لنا من الاستفادة منها في الوصول إلى الحقائق ، التي أريد لسبب
أو لآخر إحاطتها بستار من الكتمان ، أو بقاؤها رهن الإبهام والغموض . .
وبعد كل ما تقدم . . فإننا إذا كنا نعلم : أننا كلما قربنا من مصدر الوحي والرسالة ،
والإمامة والعصمة ، فإننا نكون أبعد عن المغالاة والتجني ، وعن الوقوع فريسة للخداع
والتضليل . . لأن هذا هو المصدر الوحيد ، الذي لا يعتريه خلل في الرؤية للواقع
الموضوعي ، ولا نقص في إدراكاته لحقيقة ما يجري ، ولا مجال للحيلولة بينه وبين
الواقع ، واطلاعه عليه كما هو ، ومن دون أي تحوير أو تزوير . .
- إذا كنا نعلم ذلك - فإن النهل من هذا النمير العذب ، والاستقاء من هذا المنبع
الصافي ، والاعتماد عليه في التعرف على الأحداث والوقائع ، وكل ما يرتبط بها أو يعود
إليها ، يصبح أكثر أهمية وخطرا ، وأعظم بركة وأثرا . .
حتى إذا تعذر علينا التعرف على نفس الحدث عن هذا الطريق . . فلا أقل من امتلاك
الرؤية ، ثم اعتماد المعايير والأسس ، وبعد ذلك الوسائل والأساليب الصحيحة
التاريخ وحركة التقدم البشري ونظرة الإسلام — صفحة 10
مساهمون: الشيخ محمد مهدي شمس الدين
ص١٠