Skip to main content

تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام ) — Page 272

Contributors:

P.272
كيف أخرج تلك العظام الصلبة من تلك اللثات اللينة ثم حنن قلوب الوالدين عليه للقيام بتدبيره في الوقت الذي كان عاجزا عن تدبير نفسه فلو لم يسلط الله الرحمة على قلوبهما لكان الطفل أعجز الخلق عن تدبير نفسه ثم انظر كيف رزقه القدرة والتميز والعقل والهداية تدريجا حتى بلغ وتكامل وصار مراهقا ثم شابا ثم كهلا ثم شيخا تصديقا لقوله تعالى هَلْ أَتى عَلَى الإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ( 1 ) فانظر إلى اللطف والكرم ثم إلى القدرة والحكمة تبهرك عجائب الفعل الرباني فالعجب كل العجب ممن يرى خطا حسنا أو نقشا على حائط فيستحسنه ويصرف جميع همه إلى التفكر في النقاش والخطاط أنه كيف نقشه وخطه وكيف اقتدر عليه ولا يزال يستعظمه ويقول ما أحذقه وما أكمل صنعته وأحسن قدرته ثم ينظر إلى هذه العجائب في نفسه وفي غيره ثم يغفل عن صانعه ومصوره ولا يدهشه عظمته ولا يحيره جلاله وحكمته فهذه نبذة من عجائب بدنك التي لا يمكن استقصاؤها فهو أقرب مجال لفكرك وأجلى شاهد على عظمة خالقك وأنت غافل عن ذلك مشغول ببطنك وفرجك لا تعرف من نفسك إلا أن تجوع فتأكل وتشبع فتنام وتشتهي فتجامع وتغضب فتقابل والبهائم كلها تشاركك في معرفة ذلك وإنما خاصية الإنسان التي حجبت البهائم عنها معرفة الله تعالى بالنظر في ملكوت السماوات والأرض وعجائب الآفاق والأنفس إذ بها يدخل العبد في زمرة الملائكة المقربين ويحشر في زمرة النبيين والصديقين مقربا من جوار رب العالمين وليست هذه المنزلة للبهائم ولا لإنسان رضي من الدنيا بشهوات البهائم فإنه يكون شرا من البهيمة بكثير إذ لا قدرة للبهيمة على ذلك فأما هو فقد خلق الله له القدرة والتمكين لينظر فيشكر فعطلها وكفر نعمة الله فيها فأولئك كالأنعام بل هم أضل سبيلا . وإذ قد عرفت طريق الفكر في نفسك فتفكر في الأرض التي هي مقرك ثم في أنهارها وبحارها وجبالها ومعادنها ثم ارتفع إلى ملكوت السماوات أما الأرض فمن
Footnote
( 1 ) سورة الدهر آية 1 و 2 .