Skip to main content

تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام ) — Page 241

Contributors:

P.241
فإذا أصبح العبد وفرغ من فريضة الصبح ينبغي أن يفرغ قلبه ساعة لمشارطة النفس كما أن التاجر عند تسليم البضاعة إلى الشريك يفرغ المجلس لمشارطته فيقول للنفس ما لي بضاعة إلا العمر ومهما فني رأس المال حصلت الخسارة ووقع اليأس من التجارة وهذا اليوم الجديد قد أمهلني الله تعالى فيه وأنسأ في أجلي وأنعم علي به ولو توفاني لكنت أتمنى أن يرجعني إلى الدنيا يوما واحدا حتى أعمل فيه صالحا فاحسبي أنك توفيت ثم رددت فإياك ثم إياك أن تضيعي هذا اليوم فإن كل نفس من الأنفاس جوهرة لا قيمة لها واعلمي يا نفس أن اليوم والليلة أربع وعشرون ساعة وقد ورد في الخبر أنه ينشر للعبد كل يوم أربع وعشرون خزانة مصفوفة فتفتح له منها خزانة فيراها مملوة نورا من حسناته التي عملها في تلك الساعة فيناله من الفرح والسرور والاستبشار بمشاهدة تلك الأنوار التي هي وسيلة عند الملك الجبار ما لو وزع على أهل النار لأدهشهم ذلك الفرح عن الإحساس بألم النار وتفتح له خزانة أخرى سوداء مظلمة يفوح نتنها ويتغشاه ظلامها وهي الساعة التي عصى الله فيها فيناله من الهول والفزع ما لو قسم على أهل الجنة لتنغص عليهم نعيمها وتفتح له باب خزانة أخرى فارغة ليس فيها ما يسره ولا ما يسوؤه وهي الساعة التي نام فيها أو غفل عنها أو اشتغل بشيء من مباحات الدنيا فيتحسر على خلوها ويناله من غبن ذلك ما يلحقه حزن عظيم وناهيك به من حسرة وغبن وهكذا على خزائن أوقاته طول عمره فيقول لنفسه اجتهدي اليوم في أن تعمري خزائنك ولا تدعها فارغة عن كنوزك التي هي أسباب ملك الأبد ولا تميلي إلى الكسل والدعة ( 1 ) والاستراحة فيفوتك من درجات عليين ما يدركه غيرك وتبقى عندك حسرته لا تفارقك وإن دخلت الجنة فألم الغبن وحسرته لا يطاق . وقال بعضهم هب أن المسئ قد عفي عنه أليس قد فاته ثواب المحسنين أشار به إلى الغبن والحسرة وقد قال تعالى : « يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ ( 2 ) » . فهذه وصية لنفسه ثم يستأنف لها وصية في أعضائها السبعة وهي العين والأذن واللسان
Footnote
( 1 ) الدعة : خفض العيش والراحة . ( 2 ) سورة التغابن 64 آية 9 .
تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام ) — Page 241 | ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري