Skip to main content

تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام ) — Page 150

Contributors:

P.150
أو تأتي على سلطانه فتهدمه من القواعد أو تدب إلى جسمه فتسقمه أو تفجعه بشيء هو ضنين به من أحبائه فالدنيا أحق بالذم هي الآخذة ما تعطي الراجعة فيما تهب بينا هي تضحك صاحبها إذا ضحكت منه وبينا هي تبكي له إذا بكت عليه وبينا هي تبسط كفه بالعطاء ( 1 ) إذا بسطتها بالاسترداد تعقد التاج على الرأس اليوم وتعفره غدا في التراب سواء عليها ذهاب ما ذهب وبقاء ما بقي تجد في الذاهب من الباقي خلفا وترضى بكل من كل بدلا . وكتب الحسن البصري إلى عمر بن عبد العزيز أما بعد فإن الدنيا دار ظعن وليست بدار إقامة وإنما أنزل آدم عليه السّلام إليها عقوبة فاحذرها يا أمير المؤمنين فإن الزاد منها تركها والغنى منها فقرها لها في كل حين قتيل تذل من أعزها وتفقر من جمعها هي كالسم يأكله من لا يعرفه وهو حتفه فكن فيها كالمداوي جراحته يحتمي قليلا مخافة ما يكره طويلا ويصبر على شدة الدواء مخافة طول البلاء فاحذر هذه الدار الغدارة الختالة ( 2 ) الخداعة التي قد تزينت بخدعها وقتلت بغرورها وختلت بآمالها وشوقت لخطابها فأصبحت كالعروس المتحلية الجميلة فالعيون إليها ناظرة والقلوب عليها والهة والنفوس لها عاشقة وهي لأزواجها كلهم قاتلة فلا الباقي بالماضي معتبر ولا الآخر على الأول ( 3 ) مزدجر ولا العارف بالله عز وجل حين أخبره عنها مدكر فعاشق لها قد ظفر منها بحاجته فاغتر وطغى ونسي المعاد واشتغل بها لبه حتى زلت عنها قدمه فعظمت ندامته وكثرت حسرته واجتمعت عليه سكرات الموت بألمها وحسرات الفوت بغصتها ومن رغب فيها لم يدرك منها ما طلب ولم يرح نفسه من التعب فخرج بغير زاد وقدم على غير مهاد فاحذرها وكن آنس ما تكون فيها أحذر ما تكون منها فإن صاحب الدنيا كلما اطمأن منها إلى سرور أشخصته منه إلى مكروه والسار فيها لأهلها غار والنافع منها غدا ضار وقد وصل الرخاء منها في البلاء وجعل البقاء فيها إلى الفناء فسرورها مشوب بالأحزان لا يرجع منها ما ولى وأدبر
Footnote
( 1 ) في بعض النسخ [ بالاعطاء ] . ( 2 ) ختله من باب ضرب ونصر - : خدعه وكذا خاتله . ( 3 ) في بعض النسخ [ بالأول ] .
تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام ) — Page 150 | ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري