شرح
وبالجملة الظنّ في المسائل الاُصوليّة أمر خلافيّ ، فمنهم من صرّح بطرد المنع عن الحجّية بالقياس إليها وإلى المسائل الفرعيّة ، ومنهم من عكس الأمر .
ومنهم من منعها في الاُصوليّة مع مصيره إليها في الفرعيّة تعليلا بعدم الانسداد الأغلبي في الاُصوليّة الّذي هو مناط الحجّية .
ومنهم من فصّل في الاُصوليّة بين ما كان منها من قبيل كون : « الخبر حجّة » و « الكتاب حجّة » فعدم الحجّية ، وبين ما كان منها من قبيل كون : « الأمر للوجوب ، والنهي للتحريم » وغير ذلك ممّا يتعلّق بالألفاظ فالحجّية .
مع أنّ حجّية الظنّ في المسائل الاُصوليّة ممّا لم نتحقّق معناه ، فإنّ المسائل الاُصوليّة - بمعنى المسائل المدوّنة في الكتب الاُصوليّة أعمّ ممّا كان من قبيل مسائل أصل الفنّ المقصودة من وضعه أصالةً ومبادئها اللغويّة والأحكاميّة وغيرها - ليست إلاّ كمسائل سائر العلوم غير علم الفقه فهي اُمور واقعيّة ، فإن اُريد بحجّية الظنّ فيها كونه طريقاً مثبتاً لها بحسب الواقع فهو غير معقول ، ضرورة عدم الملازمة بين الظنّ بالشيء وثبوته في الواقع ، كيف وإنّ الظنّ ممّا اُخذ في ماهيّته احتمال الخلاف وأنّه كثيراً مّا لا يصادف الواقع . وإن اُريد به كونه موجباً لترتيب آثار الواقع على المظنون وإن لم يكن واقعاً في نفس الأمر ، على معنى كون الظنّ بجواز اجتماع الأمر والنهي موجباً للحكم بصحّة الصلاة في الدار المغصوبة وإن لم يكن كذلك في الواقع ، والظنّ باقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضدّه الخاصّ موجباً للحكم بحرمة الأضداد الوجوديّة للمأمور به وإن لم يكن كذلك في الواقع وهكذا ، فهو ممّا لابدّ له من دليل قطعي ووجوده غير ثابت والإجماع المدّعى غير مسموع ، وجريان دليل الانسداد فيه كجريانه في الظنّ في المسائل الفرعيّة غير مسلّم لعدم جريان جملة من مقدّماته هنا .
ودعوى أنّ هذا الظنّ يتولّد منه الظنّ بالحكم الفرعي ويستلزمه كما في الأمثلة المذكورة فيصير حجّة لعين ما دلّ على حجّية الظنّ في الأحكام الفرعيّة مردودة على مدّعيها ، كيف والغرض المهمّ في المقام إثبات الظنّ في المسألة الاُصوليّة من حيث إنّها مسألة اُصوليّة .
وما ذكر من الطريق على فرض تماميّته واطّراده في جميع المسائل ليس إلاّ إثباتاً للظنّ في المسائل الفرعيّة لدليلها الغير الجاري في المسائل الاُصوليّة من هذه الحيثيّة ، كيف وقيام الظنّ في المسألة الاُصوليّة بالقياس إليه في المسألة الفرعيّة على التقرير المذكور