شرح
بمجموع الأمرين ، والسرّ فيه : أنّه لا سبيل إلى فهم مراد الله تعالى إلاّ من جهتهم لأنّهم عارفون بناسخه ومنسوخه ، والباقي منه على الإطلاق والمأوّل وغير ذلك دون غيرهم ، خصّهم الله تعالى والنبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بذلك .
وثالثها : أنّ كلّ طريق غير التمسّك بكلامهم يفضي إلى اختلاف الفتاوى والكذب على الله تعالى ، وكلّ ما هو كذلك مردود غير مقبول عند الله لما تقدّم من الروايات المتواترة معنىً .
ورابعها : أنّ كلّ مسلك غير ذلك المسلك إنّما يعتبر من حيث إفادة الظنّ بحكم الله تعالى ، وقد أثبتنا سابقاً أنّه لا اعتماد على الظنّ المتعلّق بنفس أحكامه تعالى وبنفيها .
وخامسها : أنّه تواترت الأخبار عن الأئمّة الأطهار بأنّ مراده تعالى من قوله : ( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) ( 1 ) ومن نظائرها من الآيات أنّه يجب سؤالهم ( عليهم السلام ) في كلّ ما لم نعلم .
وسادسها : أنّ العقل والنقل قاضيان بأنّ المصلحة في بعث الرسل وإنزال الكتب رفع الاختلاف والخصومات بين العباد ليتمّ نظام معاشهم ، فإذا كان من القواعد الشرعيّة جواز العمل بالظنّ المتعلّق بنفس أحكامه تعالى أو بنفيها لفاتت المصلحة ، لحصول الاختلاف والخصومات كما هو المشاهد .
وسابعها : التوقيع المنقول بطرق واضحة - كما سيجيء بيانه - المشتمل على قول إمام الزمان ناموس العصر والأوان سلام الله عليه : « أمّا الوقائع الحادثة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا ، فإنّهم حجّتي عليكم وأنا حجّة الله عليهم » ( 2 ) ونظائره من الروايات .
وثامنها : قوله ( عليه السلام ) : « هذا العلم عليه قفل ومفتاحه المسألة » ( 3 ) .
وتاسعها : دقيقة شريفة تفطّنت بها بتوفيق الله تعالى وهي أنّ العلوم النظريّة قسمان : قسم ينتهي إلى مادّة قريبة من الإحساس ، ومن هذا القسم علم الهندسة والحساب وأكثر أبواب المنطق ، وهذا القسم لا يقع فيه الاختلاف بين العلماء والخطأ في نتائج الأفكار ، والسبب فيه أنّ الخطأ في الفكر إمّا من جهة الصورة أو من جهة المادّة ، والخطأ من جهة الصورة لا يقع من العلماء لأنّ معرفة الصورة من الاُمور الواضحة عند الأذهان المستقيمة ، ولأنّهم عارفون بالقواعد المنطقيّة وهي عاصمة عن الخطأ من جهة الصورة ، والخطأ من جهة المادّة لا يتصوّر في هذه العلوم لقرب الموادّ فيها إلى الإحساس .
هامش
( 1 ) النمل : 43 .
( 2 ) الاحتجاج : 2 : 470 .
( 3 ) الكافي 1 : 40 ، ح 3 .