شرح
الشارع ، ولذا يجب اجتنابه فينجس ملاقيه أيضاً كما ينجس ملاقي البلل المشتبهة .
يدفعه : منع البناء المذكور بكلا وجهيه :
أمّا وجهه الأوّل فأوّلا : بأنّ كون النجاسة عبارة عن الأحكام التكليفيّة المنتزعة خلاف التحقيق ، بل الأقوى - على ما قرّرناه في محلّه - كونها صفة متأصّلة ثابتة في الشيء ينشأ منها تلك الأحكام .
وأمّا ثانياً : فلأنّ وجوب الاجتناب عن الشيء إنّما يكون نجاسة على القول المذكور إذا ثبت فيه على أنّه نجاسة فيه ، لا لوجوب الاجتناب عن شيء آخر على أنّه نجاسة فيه ، وهذا المعنى غير محرز في المشتبه الملاقي ، مع أنّ وجوب الاجتناب عن كلّ من المشتبهين ليس من الشارع أصالةً بل من العقل إرشاداً ، ونحوه لا يعدّ نجاسة على القولين .
وأمّا وجهه الثاني : فلأنّ التنزيل الشرعي خلاف الأصل فيقتصر على مورد دليله ، ولم يثبت نحوه في المشتبه الملاقي ، مع أنّه في البلل المشتبهة لعلّه لنوع من تقديم الظاهر على الأصل ، وهذا غير متحقّق فيما نحن فيه .
وبالجملة فتنجيس الملاقي بالبناء على كونه ملاقياً للنجس أصعب شيء في المقام لا يقبله الطبع السليم .
ودعوى أنّ ما دلّ على وجوب الاجتناب عن النجس الواقعي يدلّ على وجوب الاجتناب عن ملاقيه الملزوم لنجاسته ، ولذا استدلّ السيّد أبو المكارم في الغنية ( 1 ) على انفعال القليل بملاقاة النجاسة بما دلّ على وجوب هجر النجس كقوله تعالى : ( والرجز فاهجر ) ( 2 ) .
مدفوعة - بعد منع أصل هذه الدلالة بالقياس إلى الملاقي خصوصاً إذا كان نحو الماء - بأنّه فرع تحقّق الملاقاة للنجس .
وقد عرفت أنّه غير متحقّقة فيما نحن فيه ، لاحتمال كون المشتبه الملاقي هو الطاهر الواقعي .
وتوهّم كونه النجس تعبّداً لحكم الشارع بوجوب اجتنابه فينجّس ملاقيه ، ولذا تمسّك العلاّمة في المنتهى ( 3 ) على ذلك بأنّ الشارع أعطاهما حكم النجس . يندفع بأنّ حكم الشارع بذلك لو فرض صدوره منه بالخصوص كما في الإنائين المشتبهين حيث أمر بإهراقهما إنّما هو على طبق حكم العقل باجتنابهما ، وقد عرفت أنّه إرشاديّ مقدّمي ، وهو لا يفيد كون
هامش
( 1 ) الغنية : 46
( 2 ) المدثر : 5
( 3 ) المنتهى 1 : 178 .