شرح
وهذا مع عدم وضوح وجه له واضح البطلان ، لعدم تعقّل الفرق في حكم العقل بين الصورتين ، فإنّ قبح مخالفة العلم الإجمالي إنّما هو لقبح مخالفة الخطاب المتوجّه إلى المكلّف فعلا ، ولا يتفاوت الحال فيه بين كون الخطاب معلوماً بالتفصيل أو بالإجمال .
ألا ترى أنّه لو فرض إناء واحد مردّد بين كونه من الخمر أو من العصير المغص وبوجب الاجتناب عنه ، لكونه مخالفة لأحد الخطابين من قوله : « اجتنب عن الخمر » و « اجتنب عن المغصوب » وإذا فرض أنّه اشتبه بإناء خلّ مباح فهو على وجوب اجتنابه السابق .
وبجميع ما قرّرناه تبيّن بطلان القول بجواز ارتكاب الجميع في الشبهة المحصورة مطلقاً ، وبطلان دليله وهو على ما وقفنا عليه وجهان :
أحدهما : أنّ المعلوم بالإجمال غير مشمول لأدلّة تحريم المحرّمات ، إمّا لكون الألفاظ وضعاً للمعلومات بالتفصيل أو لانصرافها في حيّز الخطاب إليها .
وثانيهما : عمومات أصل البراءة الّتي عمدتها قوله ( عليه السلام ) : « كلّ شيء فيه حلال وحرام . . . » ( 1 ) إلى آخره ، وقد عرفت ما فيهما بما لا مزيد عليه .
وتبيّن أيضاً بطلان القول بجواز الارتكاب تدريجاً فقط ، مع عدم وضوح وجه له يعتمد عليه ، إلاّ توهّم أنّ المسلّم من حرمة المخالفة القطعيّة هو ما يتحقّق حين الارتكاب لا ما يحصل العلم به بعد الارتكاب ، فيرجع في كلّ ارتكاب إلى الأصل المستفاد من العمومات ، وقد عرفت بطلان الفرق بينهما في نظر العقل ومنع شمول أدلّة الأصل لما نحن فيه . هذا كلّه في منع المخالفة القطعيّة للعلم الإجمالي مطلقاً المقتضي لعدم ارتكاب الجميع مطلقاً .
وبقي الكلام في وجوب الاجتناب عن الجميع المتضمّن لوجوب الموافقة القطعيّة للعلم الإجمالي كما هو المشهور ، على ما حكاه بعض مشايخنا ( 2 ) ناسباً إلى المدارك ( 3 ) كونه مقطوعاً به في كلام الأصحاب ، وإلى المحقّق البهبهاني في الفوائد ( 4 ) نسبته إلى الأصحاب ، وإلى المحقّق الكاظمي في شرح الوافية ( 5 ) دعوى الإجماع عليه صريحاً .
لنا على ذلك : وجهان تقدّم الإشارة إليهما :
أحدهما : أنّ العقل الحاكم بكفاية العلم الإجمالي في توجّه الخطاب يجوّز العقاب على
هامش
( 1 ) الوسائل 12 : 59 الباب 4 من أبواب ما يكتسب به ، الحديث الأوّل .
( 2 ) فرائد الاُصول 2 : 210
( 3 ) المدارك 1 : 107 .
( 4 ) الفوائد الحائريّة : 248
( 5 ) الوافي في شرح الوافية ( مخطوط ) ، الورقة : 210 .