تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تعليقة على معالم الأصول — صفحة 77

مساهمون:

ص٧٧
الثاني : أنّ التعبّد بخبر الواحد إمّا أن يراد به ما هو فعل المكلّف أعني العمل به ، أو ما هو فعل الله سبحانه - كما هو ظاهر اللفظ لوقوعه مسند إليه تعالى - يراد به معنى استعبدنا ، أي طلب منّا العبوديّة بمقتضى خبر الواحد ، أي الالتزام به والأخذ به على أنّه حكم الله . فعلى الأوّل : يرد عليه عدم انطباق الدليل على المدّعى على فرض صحّة الإجماع ، فإنّ محلّ البحث إمكان تعبّده تعالى واستحالته ، وغاية ما يقضي به بطلان التالي - المستند إلى الإجماع على عدم جواز العمل بخبر الواحد في الإخبار عن الله تعالى - إنّما هو نقيض المقدّم ، وهو عدم جواز العمل بخبر الواحد في الإخبار عن النبيّ ، وهذا كما ترى لا يستلزم عدم إمكان تعبّده تعالى ، لجواز أن يكون مستند عدم جواز العمل في الإخبار عن الله عدم وقوع التعبّد منه تعالى ، نظراً إلى أنّه كاف في الحكم بعدم جواز العمل ، ويكون هذا هو مدرك الإجماع على عدم جواز العمل أيضاً . لا يقال : إذا ثبت عدم جواز العمل به ثبت عدم إمكان تعبّده تعالى بأنّه : لو تعبّدنا الله به مع عدم جواز العمل به الثابت بالإجماع لزم التكليف بما لا يطاق ، ونقض الغرض ، وكلاهما قبيحان عليه تعالى فيمتنع صدوره منه ، لمنع الملازمة فإنّ عدم جواز العمل المستند إلى عدم وقوع التعبّد منه تعالى حكم تعليقي مراعى بعدم وقوع التعبّد وحيث وقع ذلك التعبّد منه ارتفع به ذلك الحكم التعليقي . وعلى الثاني : يرد عليه منع بطلان التالي بمنع الإجماع عليه ، إذ لو فرضنا أنّه تعالى أقام لنا دليلا قطعيّاً على أنّه يجوز لكم أو يجب عليكم في امتثال أحكامي العمل بخبر الواحد عنّي ، لا يلزم بذلك قبح ولا محذور آخر ، ولا إجماع على قبحه أيضاً ولم يدّعه أحد ، ولو ادّعاه لم يكن منه مقبولا بل لا نظنّ قائلا بقبحه ، ولعلّ المستدلّ أيضاً لا يرضى به . الثالث : أنّ محلّ البحث إنّما هو التعبّد بخبر الواحد بعد استقرار الشريعة وانتشار أحكامها واختفاء الطرق القطعيّة المنصوبة عليها منه تعالى علينا ، وحينئذ نقول : إن اُريد من التعبّد به في الإخبار عن الله المأخوذ في قضيّة التالي تعبّده به في أصل بناء الشرع وابتداء تأسيسه فبطلان التالي ودعوى الإجماع عليه ، ولذا يعتبر في المخبر عن الله في ابتداء بناء الشرع - الّذي يقال له : « المتنبّي » أن يكون معه معجزة قطعيّة تدلّ على صدقه وتفيد العلم بحقيّة كلّما جاء به عن الله سبحانه ، ولكن الملازمة ممنوعة ، لأنّ التعبّد به في الإخبار عن النبيّ جائز بعد استقرار الشريعة .