تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تعليقة على معالم الأصول — صفحة 509

مساهمون:

ص٥٠٩
الاحتراز عن الكذب من حيث إنّه نافع . ففيما كان الحسن أو القبح علّة تامّة للحكم باعتبار كون الفعل الموصوف بهما علّة تامّة لهما فلا إشكال معه في الملازمة كما اعترف به الفاضل المتقدّم ، وكذلك فيما كان مقتضياً له على المذهب الحقّ إذا اُخذ مع الفعل الموصوف به قيد الحيثيّة ، والعقل أيضاً إنّما يحكم عليه بالحسن أو القبح على هذا الوجه لا مطلقاً ، لما عرفت من أنّه لا يحكم في القضيّة بشيء إلاّ بعد الإحاطة بجميع جهات موضوعها وإحرازه بجميع قيوده وحيثيّاته ، فإنّه في حكمه بقبح الكذب مثلا يلاحظ الكذب من حيث إنّه كذب ثمّ يحكم عليه بالقبح ، وهذا لا ينافي حسنه من حيث إنّه نافع في إنجاء نبيّ أو وصيّ نبيّ لأنّهما موضوعان متغايران بالفرض والاعتبار ، كما أنّ حكمه بحسن الصدق من حيث إنّه صدق لا ينافي قبحه من حيث كونه ضارّاً لتعدّد موضوعيهما ، فغفلته عن الجهة المحسّنة في الأوّل والمقبّحة في الثاني إن صحّحنا جوازها لا تقدح في صدق حكمه المذكور ولا يوجب كذبه كما هو واضح . نعم ربّما يحصل الغفلة في الصدق الضارّ والكذب النافع ، فيحكم بحسن الأوّل لملاحظته من حيث هو وقبح الثاني لملاحظته كذلك غفلة عن الجهة المقتضية للقبح في الأوّل والحسن في الثاني ، غير أنّه ليس غفلة من العقل لأنّ وظيفة العقل الحكم على الأشياء بعناوينها الخاصّة أو العامّة لا إجراء حكمه فيما هو من مصاديق أحد العنوانين ، بل من الناظر في حكمه لإجرائه فيما هو من مصاديق موضوعه حيث أجرى حكم أحد العنوانين فيما هو من مصاديق عنوان آخر غفلةً . ولا ريب أنّ ملاحظة المصاديق وتشخيص بعضها عن بعض لإجراء حكم كلّ عنوان في مصداقه الواقعي لا غير من وظيفة الناظر في الحكم لا من وظيفة الحاكم ، فحصول الغفلة للأوّل لا يوجب قدحاً في صحّة حكم الثاني . ومن هذا القبيل الغفلة فيما توارد عليه جهتان متزاحمتان كالصدق مثلا إذا تضمّن نفعاً بإنجاء مؤمن عن القتل وإضراراً بإيقاع مؤمن آخر في القتل ، فغفل الناظر عن إحدى الجهتين وحكم بمقتضى الجهة الاُخرى ، من دون مراعاة أنّ المورد من تعارض الجهتين فلابدّ فيه من الترجيح ثمّ الحكم عليه بالوجوب أو الحرمة أو التسوية ثمّ البناء على التخيير والإباحة . بل لنا أن نقول : إنّ الحكم بقبح الصدق الضارّ لجهة الضرر وحسن الكذب النافع لجهة