تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تعليقة على معالم الأصول — صفحة 493

مساهمون:

ص٤٩٣
الاُمور الدينيّة لطف واجب عليه ، ولكنّه بالقياس إلى الثاني مشروط بمساعدة مصلحة التقيّة لعدم منافاة الاشتراط للحكمة الباعثة على نصبه ، وبالقياس إلى الأوّل مطلق بالنسبة إلى هذا الشرط لمنافاة الاشتراط للحكمة الباعثة على بعثه . وبالجملة التعليق في إيجاب التصرّف والتدبير في الاُمور الدينيّة بالقياس إلى مصلحة التقيّة يخلّ باللطف الواجب على النبيّ ولا يخلّ باللطف الواجب على الإمام ، لأنّ مصلحة الدعوة وإتمام الحجّة وإظهار الحقّ أقوى من مصلحة التقيّة ، كما أنّ مصلحة التقيّة بعد ما ظهر الحقّ وتمّت الحجّة أقوى من مصلحة إزاحة العلّة وإزالة الجهل ، لأنّ عدمهما لا يستند إلى الإمام بل إلى الرعيّة لامتناعهم عن الرجوع إليه أو منعهم إيّاه عن القيام بمنصبه .
احتجّت الأشاعرة بوجوه واهية نقتصر منها على وجهين ذكرهما العلاّمة في التهذيب ( 1 ) : أحدهما : أنّ أفعال العباد اضطراريّة فينتفي اتّصافها بالحسن والقبح عقلا اتّفاقاً ، أمّا عندنا فواضح ، وأمّا عند الخصم فلأنّهما عنده من صفات الأفعال الاختياريّة لا غير . وثانيهما : قوله تعالى : ( وما كنّا معذّبين حتّى نبعث رسولا ) ( 2 ) . وجه الاستدلال : أنّ الحسن والقبح لو كانا بالعقل لزم حصول التعذيب قبل بعث الرسول ، والتالي باطل فالمقدّم مثله . بيان الملازمة : أنّ التعذيب لازم للوجوب على تقدير تركه وللحرام على تقدير فعله ، فإذا كان الوجوب والحرمة بالعقل لم يتوقّفا على بعث الرسول فيتحقّق التعذيب قبله ، وأمّا بطلان التالي فلقوله عزّ من قائل : ( وما كنّا . . . إلخ ) ( 3 ) ، فإنّه نفى التعذيب من دون بعثة الرسول . وفيه : أنّ أقصى ما في الآية نفي فعليّة التعذيب وهو لا ينافي استحقاق العذاب ، لإمكان العفو وهو اللازم للوجوب والحرمة لا غير ، ودعوى امتناع العفو عندهم عن الإخلال بالواجبات العقليّة بإطلاقها حتّى قبل البعثة بل مطلقاً ممنوعة ، كيف ولم يظهر إلى الآن قائل بذلك ، ولذا قيل : « إنّه افتراء لو اُريد نسبته إلينا » وعلى تقدير وجود قائل به فهو ممّن لا يعتدّ به ولا يوجب قوله إطباقهم عليه . ولو سلّم الاستلزام فليس في الآية عموم ولا إطلاق بحيث يشمل المقام ، بل غاية مفادها نفي استحقاق العذاب على طريقة القضيّة المهملة .
هامش
( 1 ) تهذيب الوصول إلى علم الاُصول : 53 . ( 2 ) الإسراء : 15 . ( 3 ) الإسراء : 15 .