تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تعليقة على معالم الأصول — صفحة 489

مساهمون:

ص٤٨٩
الشرع ووروده ، بل ومع إنكار الشرائع ، وليس هذا إلاّ من جهة تحريك العقل وإرشاده بعد إدراكه الحسن والقبح من غير حاجة إلى إيجاب من موجب . ويمكن تقرير الدليل المذكور على وجه يكون نتيجته وجوب النظر في معرفة الله تعالى ، بأن يقال : إنّهما لو لم يكونا بالعقل لما وجب النظر في معرفة الله تعالى وإلاّ لزم الدور ، لأنّ وجوب النظر المفروض استفادته من إيجابه تعالى موقوف على معرفة الله ، وأنّه هل يجب اتبّاعه أم لا ؟ ومعرفته كذلك موقوفة على وجوب النظر في معرفة الله المفروضة . وأمّا عندنا فوجوبه عقليّ مستفاد إمّا من قاعدة وجوب شكر المنعم وقد تقدّم تقريرها ، لكن لابدّ من انضمام مقدّمة اُخرى إلى البيان المتقدّم وهو أنّ معرفة المنعم إنّما تتمّ بالنظر ، لأنّ التقليد غايته إفادة الظنّ وهو لا يزيل الخوف ، وما لا يتمّ الواجب إلاّ به فهو واجب ، لأنّه لولا انضمامه لم يفد البيان المتقدّم كيفيّة تحصيل المعرفة ولا تعيّن كونها بالنظر . أو قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل وإزالة الخوف عن النفس ، وقد عرفت بيانها أيضاً في تتميم الاستدلال بالوجه الأوّل . ونزيد هاهنا أنّ العاقل المتفطّن قبل دخوله في الإسلام أو غيره إذا سمع المسلمين يقولون : إنّ للعالم صانعاً ، وقد خلق جنّة وجحيماً ، وأرسل نبيّاً بشريعة ونصب له وصيّاً لحفظ شريعته ، وأراد من العباد معرفته ومعرفة نبيّه ووصيّ نبيّه والتصديق بشريعته والتديّن بجميع ذلك بعد المعرفة ، وفرض عليهم طاعته وطاعة نبيّه ووصيّ نبيّه ، ووعد لمن عرف جميع ذلك وتديّن وأطاع الدخول في الجنّة والخلود في نعيمها ، وأوعد لمن جهل شيئاً من ذلك أو جحده عناداً بالدخول في الجحيم والخلود في عذابها ، فهو لا محالة يحسّ في نفسه الخوف بترك المعرفة ، فيجب إزالته عقلا بتحصيل المعرفة ، ولا تتمّ إلاّ بالنظر المفيد للعلم . ولو أردنا تقرير هذا الدليل لنفي كفاية الظنّ ولا التقليد في معرفة الله أضفنا إليه أنّ الخوف لا يزول بالتعويل على الأمارات الظنّية الّتي ليس من شأنها دوام الإصابة للواقع ، ولا الركون إلى التقليد الّذي لو خلّي وطبعه ليس بدائم الإفادة للمعرفة ولا بدائم الإصابة للواقع ، ولو من جهة اشتباه المحقّ بالمبطل وعدم التمكّن من تميز أهل الحقّ من أهل الباطل إلاّ بالنظر . هذا ولكنّ التقرير المذكور للدليل أيضاً يندفع بمنع التوقّف في المقدّمة الاُولى ، فإنّ المتوقّف على معرفة الله هو العلم بوجوب النظر لا نفس وجوب النظر ، بحيث يلزم من انتفائها عدم وجوب النظر في الواقع ، ثمّ بمنع التوقّف في المقدّمة الثانية لعدم توقّف معرفة