تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تعليقة على معالم الأصول — صفحة 374

مساهمون:

ص٣٧٤
إلاّ أن يقال : إنّ النواهي اللفظيّة عن العمل بالقياس من حيث الطريقيّة لابدّ من حملها في مقابل العقل المستقلّ على صورة انفتاح باب العلم بالرجوع إلى الأئمّة ( عليهم السلام ) ، والأدلّة القطعيّة منها كالإجماع المنعقد على حرمة العمل به حتّى مع الانسداد لا وجه له غير المفسدة الذاتيّة ، كما أنّه إذا قام دليل على حجّيّة الظنّ مع التمكّن من العلم نحمله على وجود المصلحة المتداركة لمخالفة الواقع ، لأنّ حمله على العمل من حيث الطريقيّة مخالف لحكم العقل بقبح الاكتفاء بغير العلم مع تيسّره ( 1 ) . أقول : ويمكن الذبّ عن الإشكال الّذي أشار إليه بقوله : « وقد عرفت الإشكال في النهي عنه على هذا الوجه » - ، وهو لزوم تفويت الواقع الموجب لنقض الغرض من النهي عن العمل بالظنّ على وجه الطريقيّة مع الانسداد : بأنّه قد يجوز عند العقل الفرق والتفصيل بين الظنّ الغالب مطابقته الواقع ، والظنّ الغالب عدم مطابقته الواقع ، بايجاب العمل بالأوّل مراعاةً لغلبة مطابقته ، والنهي عن العمل بالثاني لغلبة عدم مطابقته ، ولا قبح فيه ، ولا يستفاد من الأخبار الناهية عن القياس أزيد من غلبة عدم المطابقة فيه ، بل هذا صريح ما تقدّم من قوله ( عليه السلام ) : « كان ما يفسده أكثر ممّا يصلحه » . نعم هذا لا يجدي مع انحصار الطريق في المسألة الفرعيّة في الظنّ القياسي . ثمّ لا يخفى عليك أنّ ما استشكله إنّما هو إشكال في جواز النهي على الوجه المذكور ، لا أنّه إلزام على بقاء إشكال التخصيص في حكم العقل على حاله ، فإنّه مندفع على كلّ حال ، فتأمّل . ومنها : ما اعتمد عليه شيخنا ( قدس سره ) من « أنّ خصوصيّة القياس من بين سائر الأمارات هي غلبة مخالفته للواقع ، كما يشهد به قوله ( عليه السلام ) : « إنّ السنّة إذا قيست محق الدين » ( 2 ) ، وقوله : « كان ما يفسده أكثر ممّا يصلحه ( 3 ) » ، وقوله : « ليس شيء أبعد من عقول الرجال عن دين الله ( 4 ) » ، وغير ذلك وهذا المعنى خفي على العقل الحاكم بوجوب سلوك الطرق الظنّيّة عند فقد العلم ، فهو إنّما يحكم بها لإدراك أكثر الواقعيّات المجهولة بها ، فإذا كشف الشارع عن حال القياس وتبيّن عند العقل حاله ، فيحكم حكماً إجماليّاً بعدم جواز الركون إليه .
هامش
( 1 ) فرائد الاُصول : 1 : 529 . ( 2 ) الوسائل 27 : 41 / 10 ، ب 6 من أبواب صفات القاضي . ( 3 ) الوسائل 27 : 25 / 13 ، ب 4 من أبواب صفات القاضي . ( 4 ) الوسائل 27 : 203 / 69 و 73 ، ب 13 من أبواب صفات القاضي .