شرح
ذي المقدّمة في المستقبل ليكون أحدهما علّة للآخر ، وإن أُريد كونه علّة كاشفة عن وجوبها
وكونها مطلوبة للشارع فيعود المحذور ، لأنّه حينئذ لابدّ له من علّة مثبتة وليست على ما هو
المفروض إلاّ وجوب ذي المقدّمة وهو غير حاصل قبل دخول الوقت ، فكيف يستكشف عن
معلوله مع أنّ المعلول يستحيل انفكاكه عن علّته .
ولو أُريد بوجوب المقدّمة الّذي يكشف عنه العلم أو الظنّ المذكور ما يثبت بالطلب الشأني -
على حسبما بيّنّاه ، - فيردّه : أنّ ذلك فرع كون شأنيّة الطلب محرزة
لها ولا يكون ذلك إلاّ مع إحراز الطلب في ذيها فعلا أو شأناً وهو باطل .
أمّا الأوّل : فلأنّ المفروض عدم كون طلبه حاصلا بالفعل .
وأمّا الثاني : فلأنّ شأنيّة الطلب إنّما تحصل له بعد حضور وقته المضروب له لأنّه من
موجبات حسنه .
وقضيّة ذلك حصولها للمقدّمة أيضاً بعد ذلك لأنّ المعلول لا يفارق العلّة .
وأمّا ما يعترض عليه أيضاً : بأنّ المراد من العلم أو الظنّ بوجوب الغير في وقته إمّا أن يكون
وجوبه مطلقاً ولو مع ترك مقدّمته قبل وجوبه ، فيكون ترك المقدّمة باعثاً على ترك الواجب
في ذلك الوقت لعدم التمكّن منه ، أو يكون وجوبه على فرض وجود مقدّمته لا مع عدمها .
فعلى الأوّل يتمّ ما ذكر من الوجه لكن تحقّق الوجوب على النحو المذكور غير معقول ، إذ لا
يصحّ إيجاب الفعل مع عدم القدرة على مقدّمته .
وعلى الثاني لا وجه لتعلّق الوجوب بالمقدّمة مع أنّ المفروض كون وجودها شرطاً لوجوب
الغاية ، فمع انتفاء وجودها لا يتحقّق وجوب الغاية في الخارج حتّى يجب المقدّمة لأجله ،
فلا يعقل هنا علم أو ظنّ بوجوبها مع ترك مقدّمتها ، فليس ( 1 ) ممّا ينبغي الالتفات إليه ،
لوضوح دفعه مع أنّه لو استقام لجرى فيما لا يقع مقدّمته إلاّ قبل حضور وقته كصيام رمضان ،
أو لا يسع وقته لأدائه وأداء مقدّمته أو كانت المقدّمة ممّا يصادفها عذر بعد ذلك ، فيبقى
الجواب في غير تلك الصور سليماً عن الاعتراض .
واحتجّ بعض الأعاظم على ما اختاره من إطلاق القول بجواز وجوب المقدّمة قبل دخول
وقت الغاية باستقرار العرف والعادة على لزوم تقديم المقدّمات على الأوقات ، - إلى أن قال :
- وهذا أمر مركوز في النفوس لا سيّما إذا كان وجوب الغاية مضيّقاً أو موسّعاً
هامش
( 1 ) جواب لقوله : وأمّا ما يعترض عليه الخ .