ومن السورة التي يذكر فيها « سأل سائل »
كَلَّا إِنَّها لَظى ( 15 ) نَزَّاعَةً لِلشَّوى ( 16 ) تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وتَوَلَّى ( 17 )
قوله تعالى : * ( كَلَّا إِنَّها لَظى ، نَزَّاعَةً لِلشَّوى ، تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وتَوَلَّى ) * [ 17 ] وهذه استعارة . والمراد بدعائها من أدبر وتولَّى - واللَّه أعلم - أنه لما استحقها بإدباره عن الحق صارت كأنها تدعوه إليها ، وتسوقه نحوها . وعلى ذلك قول ذي الرّمة « 1 » في صفة الثور :
غدا بوهنين مجتازا لمرتعه * بذي الفوارس تدعو أنفه الرّبب
والرّبب جمع ربّة ، وهى نبت من نبات الصيف .
يقول لما وجد رائحة الربب مضى نحوها فكأنها دعته إلى أكلها . وقد يجوز أيضا أن يكون المراد بذلك أنها لا يفوتها ذاهب ، ولا يعجزها هارب . فكأنها تدعو الهارب منها فيجيبها ، مدّا له بأسبابها ، وردّا له إلى عذابها .
وقال بعض المفسرين : إنه تخرج عنق من النار ، فتتناول الكافر حتى تقحمه فيها ، فكأنها بذلك الفعل داعية له إلى دخولها .
وقد يجوز أن يكون المراد أنها تدعو من أدبر عن الحق . بمعنى أنها تخوّفه بفظاعة الخبر عنها ، وتغليظ الوعيد بها ، فكأنها تستعطفه إلى الرشد « 2 » ، وتستصرفه عن الغي .
وحكى عن المبرّد أنه قال : تدعو من أدبر وتولَّى . أي تعذّبه . وحكى عن الخليل أن أعرابيا قال لآخر : دعاك اللَّه . أي عذبك اللَّه . وقال ثعلب : معنى دعاك اللَّه . أي أماتك اللَّه . فعلى هذا القول يدخل الكلام في باب الحقيقة ، ويخرج عن حيز الاستعارة .
هامش
( 1 ) هو أبو الحارث غيلان بن عقبة . شاعر فحل اشتهر بالتشبيب وبكاء الأطلال ذاهبا مذهب الجاهلين . توفى بأصبهان سنة 117 ه .
( 2 ) كانت بالأصل : ( الرتبة ) وهى تحريف . فصوبناها على طريق المقابلة مع الغي .