والاستعارة [ « 1 » الأخرى ] قوله سبحانه : * ( يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِه عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِه ) * والرّوح هاهنا كناية عن الوحي كقوله تعالى : * ( وكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ) * « 2 » وإنما سمّى روحا لأن الناس يحيون به من موت الضلالة ، وينشرون من مدافن الغفلة . وذلك أحسن تشبيه ، وأوضح تمثيل .
يَعْلَمُ خائِنَةَ الأَعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ ( 19 )
وقوله سبحانه : * ( يَعْلَمُ خائِنَةَ الأَعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ ) * [ 19 ] وهذه استعارة . والمراد بخائنة الأعين - واللَّه أعلم - الرّيب في كسر الجفون ، ومرامز العيون .
وسمّى سبحانه ذلك خيانة ، لأنه أمارة للريبة ، ومجانب للعفة .
وقد يجوز أن تكون خائنة الأعين هاهنا صفة لبعض الأعين بالمبالغة في الخيانة ، على المعنى الذي أشرنا إليه . كما يقال : علَّامة ، ونسّابة .
وأنشدوا قول الشاعر « 3 » في مثل ذلك :
حدّثت نفسك بالوفاء ولم تكن * للغدر خائنة مغلّ الأصبع
أي لم تكن موصوفا بالمبالغة في الخيانة . ومعنى مغلّ الأصبع : أي سارق مختلس .
هامش
( 1 ) هذه اللفظة ساقطة من الأصل ، وهى ضرورية في معرض تفصيل الاستعارتين .
( 2 ) سورة الشورى . الآية رقم 52 .
( 3 ) لم ينسبه المؤلف لقائله . وفى « شرح شواهد الكشاف » للعلامة محب الدين : أنه للشاعر الكلابي . وقد استشهد به الإمام الزمخشري في تفسيره عندما تحدث عن قوله تعالى في سورة النساء :
( ولا تزال تطلع على خائنة منهم ) .