وروى عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - صلوات اللَّه عليه وآله - معنى أن السماوات كانت لا تمطر ، والأرض لا تنبت . ففتق اللَّه سبحانه السماء بالأمطار ، والأرض بالنبات « 1 » .
وجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ ( 32 ) وهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ والنَّهارَ والشَّمْسَ والْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ( 33 )
وقوله سبحانه : * ( وجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً ) * [ 32 ] وهذه استعارة . لأن حقيقة السقف ما أظلّ الإنسان ، من علو بيت أو خباء ، أو ما يجرى مجرى ذلك . فلما كانت السماء تظل من تحتها ، وتعلو على أرضها ، حسن أن تسمّى « 2 » سقفا لذلك . ومعنى محفوظا : أي تحفظ « 3 » مما لا يمكن أن تحفظ من مثله سائر السقوف ، من الانفراج والانهدام والتشعث والإسترمام . وقد قيل : معنى ذلك حفظ السماء من مسارق السمع ، وتحصينها بمقاذف الشهب .
وقوله سبحانه : * ( وهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ والنَّهارَ ، والشَّمْسَ والْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ) * [ 33 ] . وهذه استعارة . لأن أصل السبح هو التقلب والانتشار في الأرض .
ومنه السباحة في الماء . ولا يكون ذلك إلا من حيوان يتصرف . ولكن اللَّه سبحانه لما جعل الليل والنهار والشمس والقمر مسخرة للتقلب في هذا الفلك الدائر والصفيح السائر ، تتعاقب فيه وتتغاير ، وتتقارب وتتباعد ، حسن أن يعبّر عنها بما يعبر به عن الحيوان المتصرف ، وزيدت على ذلك شيئا ، فعبر عنها بالعبارة عن الحيوان المميز . فقيل : يسبحون ، ولم يقل :
تسبح ، لأنها في الجري على الترتيب المتقن والتقدير المحكم أقوى تصرفا من الحيوان غير المميز . ولأن اللَّه سبحانه أضاف إليها الفعل على تدبير ما يعقل ، فحسن أن يعبر عنها بالعبارة
هامش
( 1 ) نسب الشريف الرضى هذا الكلام للأمام علي بن أبي طالب . وهذا التفسير منسوب لابن عباس رضى اللَّه عنه ، كما ذكرنا ذلك في مقدمة الكتاب ، وانظر « مناهل العرفان في علوم القرآن » للزرقاني ج 1 ص 483 . ورواية الإمام السيوطي في « الإتقان » تؤيد قولنا ، انظر ص 187 ج 2 من كتاب « الإتقان في علوم القرآن » للسيوطي .
( 2 ) في الأصل : يسمى بالياء وهو تحريف .
( 3 ) في الأصل : ( يحفظ ) بالياء وهو تحريف .