فقال المعبودون لهم في الجواب عن ذلك : إنكم لكاذبون ، أي في أنّا دعوناكم إلى العبادة ، أو في قولكم إننا آلهة . وقد يجوز أيضا أن يكون التكذيب من العابدين للمعبودين ، فكأنهم قالوا لهم : كذبتم في ادعائكم أنكم تستحقون العبادة من دون اللَّه تعالى . فلم يبق إذن إلا الوجه الأول في معنى إلقاء القول ، وهو أن يكون على وجه الخضوع والضراعة ، ويكون سبب هذه الاستكانة الخوف من اللَّه سبحانه ، لا خوف بعض الشركاء من بعض . ومثل ذلك قوله سبحانه عقب هذه الآية : * ( وأَلْقَوْا إِلَى اللَّه يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ ) * [ 87 ] أي استسلموا له عن ضرع ذلة ، وانقطاع حيلة . ومن ذلك قولهم : ألقى فلان يد العاني . أي ذلّ ذلّ الأسير ، وخضع خضوع المقهور .
ولا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّه ولَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 94 )
وقوله سبحانه : * ( ولا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ ، فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها ) * [ 94 ] وهذه استعارة . لأن المراد بالقدم هاهنا الثبات في الدين . ولما كان أصل الثبات في الشيء والاستقرار عليه إنما يكون بالقدم ، حسن أن يعبر عن هذا المعنى بلفظ القدم وكأن المراد بقوله تعالى : * ( فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها ) * أي يضعف دينكم ، ويضطرب يقينكم ، فيكون كالقدم الزّالة ، والقائمة المائدة .
قُلْ نَزَّلَه رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وهُدىً وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ ( 102 ) ولَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُه بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْه أَعْجَمِيٌّ وهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ( 103 )
وقوله سبحانه : * ( قُلْ نَزَّلَه رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ ) * [ 102 ] وهذه استعارة .
لأن المراد بذلك جبريل عليه السلام ، والتقديس : الطهارة . وإنما سمّى روح القدس لأن حياة الدين وطهارة المؤمنين إنما تكون بما يحمله إلى الأنبياء عليهم السلام من الأحكام والشرائع ، والآداب والمصالح .
وقوله سبحانه : * ( لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْه أَعْجَمِيٌّ ، وهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ) * [ 103 ] وهذه استعارة . لأن المراد باللسان هاهنا جملة القرآن وطريقته ، لا العضو