والمراد به أنه تعالى محص على كل نفس ما كسبت ، ليجازيها به . وشاهد ذلك قوله سبحانه : * ( ومِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْه بِدِينارٍ لا يُؤَدِّه إِلَيْكَ إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْه قائِماً ) * « 1 » .
أي ما دمت له مطالبا ، ولأمره مراعيا ، لا تمهله للحيلة ، ولا تنظره للغيلة « 2 » . وقد استقصينا الكلام على ذلك في كتابنا الكبير .
وإذا لم يصح إطلاق صفة القيام على اللَّه سبحانه حقيقة ، فإن المراد بها قيام إحصائه على كل نفس بما كسبت ، ليطالبها به ، ويجازيها عنه بحسبه . والقيام والدوام هاهنا بمعنى واحد . والماء الدائم هو القائم الذي لا يجرى .
أَولَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها واللَّه يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِه وهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ ( 41 )
وقوله سبحانه : * ( أَولَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها ) * [ 41 ] .
وهذه استعارة . وقد اختلف الناس في المراد بها ، فقال قوم : معنى ذلك نقصان أرض المشركين ، بفتحها على المسلمين . وقال آخرون : المراد بنقصانها : موت أهلها ، وقيل موت علمائها .
وعندي في ذلك قول آخر ، وهو أن يكون المراد بنقص الأرض - واللَّه أعلم - موت كرامها . وتكون الأطراف هاهنا جمع طرف . لا جمع طرف ، والطَّرف هو الشيء الكريم .
ومنه سمّى الفرس طرفا ، إذ كان كريما . وعلى ذلك قول أبى الهندي « 3 » الرياحي :
شربنا شربة من ذات عرق * بأطراف الزجاج من العصير
أي بكرائم الزجاج . ولم يمض في هذا القول لأحد .
هامش
( 1 ) سورة آل عمران الآية رقم 75 .
( 2 ) الغيلة بكسر الغين : الخديعة والاحتيال .
( 3 ) في الأصل : أبو الهند وهو تحريف من الناسخ . واسمه عبد المؤمن بن عبد القدوس ، وهو من بنى زيد بن رياح . وقد ترجم له ابن قتيبة في « الشعر والشعراء » ص 663 من طبعة عيسى الحلبي بتحقيق الأستاذ الشيخ أحمد محمد شاكر ، وذكر صاحب « العقد الفريد » خبرا له وطرفا من أقواله ونوادر شرابه .
جزء 6 ص 342 .