3 - رأي الصحابة بعضهم في بعض
1 - شهادتهم على أنفسهم بتغيير سنّة النبي :
عن أبي سعيد الخُدري قال : كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلّى ، فأوّل شئ يبدأ به الصلاة ، ثمّ ينصرف فيقوم مقابل الناس ، والناس جلوس على صفوفهم ، فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم ، فإن كان يريد أن يقطع بعثاً قطعه أو يأمر بشئ أمر به ثمّ ينصرف .
قال أبو سعيد : فلم يزل الناس على ذلك حتّى خرجت مع مروان - وهو أمير المدينة - في أضحى أو فطر ، فلمّا أتينا المصلّى إذا منبر بناه كثير بن الصلت ، فإذا مروان يريد أن يرتقيه قبل أن يصلّي ، فجذبت بثوبه ، فجذبني ، فارتفع ، فخطب قبل أن يصلّي ، فقلت له : غيّرتم والله ؟ !
فقال : أبا سعيد قد ذهب ما تعلم .
فقلت : ما أعلم والله خير ممّا لا أعلم .
فقال : إنّ الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة فجعلتها قبل الصلاة ( 1 ) .
هامش
( 1 ) صحيح البخاري 2 : 4 ، كتاب العيدين ، باب الخروج إلى المصلّى بغير منبر ، المصنف للصنعاني 3 : 284 ، الاستذكار 2 : 383 ، إرواء الغليل 3 : 98 ، الإصابة في تمييز الصحابة 6 : 203 ، وكذلك ابن عبد البر في الاستيعاب في ترجمته ، وأثبتا له الرؤية والصحبة .
قال الحافظ ابن حجر بعد ذكر الحديث : " وأما مروان فراعى مصلحتهم في إسماعهم الخطبة ، لكن قيل : إنّهم كانوا في زمن مروان يتعمّدون ترك سماع خطبته لمّا فيها من سبِّ من لا يستحق السبّ [ يعني علي بن أبي طالب [ ، والافراط في مدح بعض الناس ] وهو عثمان [ فعلى هذا إنّما راعى مصلحة نفسه . . " فتح الباري 2 : 376 .
وقد ذكر العلامة الحفظي في أرجوزته هذا الحديث فقال :
" وفي البخاري عند أبي سعيد * خطبة مروان بيوم العيدِ
قبل الصلاة حين كان الناس * بعد الصلاة ينفر الجلاس
لأنّه كما حكاه المنذري * يذكر فيها المرتضى ويجتري
سحقاً له من وزغ ملعون * وكُلّ من في صلبه يكون "
النصائح الكافية لمن يتولى معاوية : 101 .
وقال الترمذي : " والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وغيرهم أنّ صلاة العيدين قبل الخطبة ، ويقال : إنّ أوّل من خطب قبل الصلاة مروان بن الحكم " سنن الترمذي 2 : 22 .
وهناك خلاف بين المحدّثين في تحديد من سنّ هذه البدعة ، فبعضهم يذكر عثمان وبعضهم يذكر مروان ، قال الحافظ ابن حجر : " اختلف في أوّل من غير ذلك ، فرواية طارق بن شهاب عن أبي سعيد عند مسلم بلفظ أوّل من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان ، فقام إليه رجل . . الحديث صريح في أنّه مروان . وقيل : بل سبقه إلى ذلك عثمان . وروى ابن المنذر باسناد صحيح إلى الحسن البصري قال : أوّل من خطب قبل الصلاة عثمان ; صلى بالناس ثُمّ خطبهم ، يعني على العادة ، فرأى ناساً لم يدركوا الصلاة ، ففعل ذلك ، أي صار يخطب قبل الصلاة . . " فتح الباري 2 : 376 .
قال الصنعاني في سبل السلام 2 : 66 بعد إيراد هذا الخلاف : " وعلى كُلّ تقدير فإنّه بدعة مخالف لهديه ( صلى الله عليه وآله ) .
وقد اعتذر لعثمان بأنّه كثر الناس في المدينة وتنادت البيوت فكان يقدم الخطبة ليدرك من بعد منزله الصلاة !
وهو رأي مخالف لهديه ( صلى الله عليه وآله ) " .
ولأجل إكمال البحث نذكر نقاط وجيزة عن رأي الصحابة في بعضهم البعض :
1 - عن علي بن أبي طالب قال : " كذب المغيرة بن شعبة " جامع بيان العلم وفضله : 466 .
2 - عن الحسن بن علي أنّه سئل عن قول الله عزّ وجلّ : ( وشاهد ومشهود ) ، فأجاب فيه ، فقيل له : إنّ ابن عمر وابن الزبير قالا كذا وكذا ، خلاف قوله ؟ فقال : كذبا " المصدر السابق .
3 - عن عبادة بن الصامت أنّه قال : " كذب أبو محمّد - يعني في وجوب الوتر ، وأبو محمّد هذا اسمه مسعود بن أوس الأنصاري ، بدري ، قد ذكرناه في الصحابة ونسبناه - .
وتكذيب عبادة له من رواية مالك وغيره في قصة الوتر ، واستشهد عبادة بقول رسول الله : " خمس صلوات كتبهن الله على عباده " المصدر السابق .
4 - أُسامة بن قتادة أبو سعدة ، ذكره الحافظ ابن حجر في الصحابة وقال : " أبو سعدة العبسي له إدراك ، وهو الذي شهد على سعد بن أبي وقاص لما عزله عمر عن إمرة الكوفة ، والقصة مشهورة " الإصابة 1 : 338 .
والقصة في صحيح البخاري 1 : 184 : " عن جابر بن سمرة قال : شكا أهل الكوفة سعداً إلى عمر ( رضي الله عنه ) ، فعزله واستعمل عليهم عماراً ، فشكوا حتّى ذكروا أنّه لا يحسن أن يصلّي ، فأرسل إليه فقال : يا أبا إسحاق ، إنّ هؤلاء يزعمون أنّك لا تحسن تصلي ؟
قال أبو إسحاق أما أنا والله فأنّي كنت أُصلي بهم صلاة رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ما أخرم عنها . .
قال : ذاك الظن بك يا أبا إسحاق ، فأرسل معه رجلاً أو رجالاً إلى الكوفة ، فسأل عنه أهل الكوفة ، ولم يدع مسجداً إلاّ سأل عنه ، ويثنون عليه معروفاً ، حتّى دخل مسجد بني عبس ، فقام رجل منهم يقال له أُسامة بن قتادة ، يكنى أبا سعدة فقال : أما إذا نشدتنا فإنّ سعداً كان لا يسير بالسرية ، ولا يقسم بالسوية ، ولا يعدل في القضّية " .
5 - عن ابن عبّاس قال : " يقول أحدهم : أبي صحب رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وكان مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، ولنقل خلق خير من أبيه " مجمع الزوائد 1 : 113 وقال : " رواه البزار ورجاله رجال الصحيح " .
6 - أخرج البلاذري في الأنساب 5 : 36 قال : " حدثني عبّاس بن هشام عن أبيه عن أبي مخنف وعوانة في اسنادهما : إنّ عبد الله بن مسعود حين القى مفاتيح بيت المال إلى الوليد بن عقبة قال : من غيّر غيّر الله ما به ، ومن بدّل أسخط الله عليه ، وما أرى صاحبكم إلاّ وقد غيّر وبدل أيعزل مثل سعد بن أبي وقاص ويولي الوليد ؟ وكان يتكلم بكلام لا يدعه وهو ; إنّ أصدق القول كتاب الله ، وأحسن الهدي هدي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم ، وشرّ الأمور محدثاتها ، وكُلّ محدث بدعة ، وكُلّ بدعة ضلالة ، وكُلّ ضلالة في النار .
فكتب الوليد إلى عثمان بذلك وقال : إنّه يعيبك ويطعن عليك ! فكتب إليه عثمان يأمره بإشخاصه ، فاجتمع الناس فقالوا : أقم ونحن نمنعك أن يصل إليك شئ تكرهه ؟
فقال : إنّ له علي حق الطاعة ، ولا أحب أن أكون أوّل من فتح باب الفتن !
وقدم ابن مسعود المدينة وعثمان يخطب على منبر رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فلما رآه قال : إلاّ إنّه قد قدمت عليكم دويبة سوء ، من يمشي على طعامه يقئ ويسلح !
فقال ابن مسعود : لست كذلك ، ولكنّي صاحب رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يوم بدر ويوم بيعة الرضوان .
ونادت عائشة : أيّ عثمان ! أتقول هذا لصاحب رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ؟
ثُمّ أمر عثمان به فأخرج من المسجد اخراجاً عنيفاً " .
7 - في السير 1 : 425 ، والمجمع 9 : 298 ، والتاريخ الصغير 1 : 189 وغيرها عن أبي الغادية ( وهو يسار بن سبع ، صحابي ، قاتل عمار ) قال : " سمعت عماراً يقع في عثمان ، يشتمه ، فتوعدته بالقتل ، فلمّا كان يوم صفين جعل عمار يحمل على الناس ، فقيل : هذا عمار ، فطعنته في ركبته ، فوقع فقتلته ، فقيل : قتل عمار ، وأخبر عمرو بن العاص فقال : سمعت رسول الله يقول : إن قاتله وسالبه في النار " .
8 - أخرج الحاكم في المستدرك 3 : 372 ، وسكت عنه وصححه الذهبي في تلخيص المستدرك والذهبي في السير 1 : 34 عن علقمة بن وقاص قال : " . . رأيت طلحة وأحبّ المجالس إليه أخلاها ، وهو ضارب بلحيته على زوره ، فقلت : يا أبا محمّد ، إنّي أراك وأحب المجالس إليك أخلاها إن كنت تكره هذا الأمر فدعه ؟
فقال : يا علقمة ، لا تلمني ، كنا أمس يداً واحدة على من سوانا ، فأصبحنا اليوم جبلين من حديد ، يزحف أحدنا إلى صاحبه ، ولكنه كان منّي في أمر عثمان ممّا لا أرى كفارته إلاّ سفك دمي وطلب دمه " .
وقد علق الذهبي على الرواية بقوله : " قلت : الذي كان منه في حق عثمان تمغفل وتأليب " !
9 - في حادثة السقيفة قال عمر بن الخطاب : " فقلت وأنا مغضب : قتل الله سعداً ; فإنّه صاحب فتنة وشرّ " صحيح ابن حبان 2 : 157 ، البداية والنهاية 4 : 13 ، فتح الباري 7 : 25 .
10 - ما فعله الصحابة بعثمان بن عفان ، من قيامهم عليه ، وتأليب الناس عليه إلى أن قتلوه ، وهذا عثمان نفسه يشهد عليهم ويدعوا عليهم بالشرّ ، قال الذهبي في السير في ترجمة الخلفاء ، ترجمة عثمان بن عفان : 184 قال : " لما نزل أهل مصر الجحفة ، وأتوا يعاتبون عثمان ، صعد عثمان المنبر فقال : جزاكم الله يا أصحاب محمّد عنّي شراً ! أذعتم السيئة وكتمتم الحسنة ، وأغريتم بي سفهاء الناس . . . " .
وهذا عبد الرحمن بن عوف الصحابي المشهور ، واحد الستة الذين اختارهم عمر للشورى ، وهو الذي عقد الخلافة لعثمان بن عفان ، ينقم على عثمان ويكون المحرض الأوّل عليه ، قال الذهبي في المصدر السابق : 186 : " وعن أبي وائل إنّ عبد الرحمن بن عوف كان بينه وبين عثمان كلام ، فأرسل إليه لِمَ فررت يوم أحد ، وتخلفت عن بدر ، وخالفت سنة عمر ؟
فأرسل إليه : تخلفت عن بدر لأنّ بنت رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) شغلتني بمرضها ، وأما يوم أحد فقد عفا الله عنّي ، وأما سنة عمر فوالله ما إستطعتها أنا ولا أنت " .
وقال الطبري في تاريخه 4 : 365 : " . . . قدمت إبل من إبل الصدقة على عثمان ، فوهبها لبعض بني الحكم ، فبلغ ذلك عبد الرحمن بن عوف ، فأرسل إلى المسوّر بن مخرمة ، وإلى عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث فأخذها ، فقسمّها عبد الرحمن في الناس وعثمان في الدار " .
وكذلك كان بين عثمان وعلي بن أبي طالب كلام وجفوة ، يظهر منه أنّ عثمان أراد حمله على مخالفة كتاب الله تعالى قال الذهبي في المصدر السابق : 16 : " وقد كان بين عليّ وعثمان شئ ، فمشى بينهما العبّاس ، فقال علي : والله لو أمرني أنّ أخرج من داري لفعلت ، فأما أُداهن أن لا يقام بكتاب الله فلم أكن لأفعل " .
وكذلك كان بين عثمان بن عفان وعمار بن ياسر كلام وجفوة ، قال الذهبي في المصدر السابق : 188 : " وقد روي أنّه كان بين عمّار بن ياسر وبين عبّاس بن عتبة بن أبي لهب كلام ، فضربهما عثمان . . وعن محمّد بن سعد بن أبي وقاص قال : قدم عمّار بن ياسر من مصر وأبي شاك ، فبلغه ، فبعثني إليه أدعوه ، فقام معي وعليه عمامة وسخة وجُبّة فراء ، فلمّا دخل على سعد قال له : ويحك يا أبا اليقظان ، إن كنت فينا لمن أهل الخير ، فالذي بلغني عنك من سعيك في فساد بين المسلمين والتأليب على أمير المؤمنين ، أمعك عقلك أم لا ؟ فأهوى عمّار إلى عمامته وغضب فنزعها ، وقال : خلعت عثمان كما خلعت عمامتي هذه !
فقال سعد : " إنا لله وإنّا إليه راجعون " ، ويحك ! حين كثرت شيبتك ، ورق عظمك ، ونفد عمرك خلعت ربقة الإسلام من عنقك ، وخرجت من الدين عرياناً !
فقام عمّار مغضباً مولياً وهو يقول : أعوذ بربي من فتنة سعد .
فقال سعد : ألاّ في الفتنة سقطوا ، اللّهم زد عثمان بعفوه وحلمه عندك درجات .
حتّى خرج عمار من الباب ، فأقبل عليّ سعد يبكي حتّى اخضلت لحيته وقال : من يأمن الفتنة يا بنيّ لا يخرجن منك ما سمعت منه ، فإنّه من الأمانة ، وإنّي أكره أن يتعلق به الناس عليه يتأولونه ، وقد قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " الحقّ مع عمار ما لم تغلب عليه دَلهة الكبر " ، فقد دله وخرف "
والرواية في غاية البيان لمعان كثيرة ولا تحتاج إلى تعليق .
وقال ابن كثير الدمشقي في كتابه البداية والنهاية 7 : 122 ، بعد أن قدم المصريون : " أمر عثمان علي بن أبي طالب أن يخرج إليهم ليردهم إلى بلادهم قبل أن يدخلوا المدينة ، ويقال : ندب الناس إليهم ، فانتدب علي لذلك فبعثه ، وخرج معه جماعة الأشراف ، وأمره أن يأخذ معه عمّار بن ياسر . فقال عليّ لعمّار ، فأبى عمار أن يخرج معه ، فبعث عثمان سعد بن أبي وقاص أن يذهب إلى عمّار ليحرضه على الخروج مع علي إليهم ، فأبى عمار كُلّ الإباء ، وامتنع أشدّ الامتناع ، وكان متعصباً على عثمان لسبب تأديبه له فيما تقدم على أمر وضربه إيّاه في ذلك ، وذلك بسبب شتمه عبّاس بن عتبة بن أبي لهب ، فأدبهما عثمان ، فتآمر عمّار عليه لذلك ، وجعل يحرّض الناس عليه . . " .
وهذا الصحابي جبلة بن عمرو الساعدي يجترأ على عثمان ويفتح الباب عليه يقول الطبري 4 : 365 : " . . كان أوّل من اجترأ على عثمان بالمنطق السئ جبلة ابن عمرو الساعدي ، مرّ به عثمان وهو جالس في ندى قومه ، وفي يدي جبلة ابن عمرو جامعة ، فلمّا مرّ عثمان سلم ، فرد القوم ، فقال جبلة : لم تردون على رجل فعل كذا وكذا !
قال : ثمّ أقبل على عثمان فقال : والله لأطرحنّ هذه الجامعة في عنقك أو لتتركنّ بطانتك هذه !
قال عثمان : أيّ بطانة ! فوالله إنّي لا تخير الناس ؟ !
فقال : مروان تخيرته ! ومعاوية تخيرته ! وعبد الله بن عامر بن كريز تخيرته ! وعبد الله بن سعد تخيرته ! منهم من نزل القرآن بذمه وأباح رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) دمه " ؟ !
وهذا الصحابي عمرو بن العاص يشهد على عثمان بالمخالفة ، وينصحه بالتوبة فيقول : " يا أمير المؤمنين ، إنّك قد ركبت نهابير ، وركبنا معك ، فتب نتب . . " تاريخ الطبري 4 : 366 .