والثابت عندنا وعند أهل السنّة أيضاً أنّ أفضل السجود على الأرض ( 1 ) ،
هامش
( 1 ) الأصل في السجود أنّ يضع الانسان وجهه على الأرض ، على ترابها ورملها وحصاها وحجرها ومدرها ونباتها غير مأكول ولا ملبوس إلاّ عند الضرورة ، قال ابن حجر في فتح الباري 1 : 414 في شرح قوله ( صلى الله عليه وآله ) : " كنّا إذا صلّينا مع النبي ( صلى الله عليه وآله ) فيضع أحدنا طرف الثوب من شدة الحر مكان السجود " قال : وفيه إشارة إلى أنّ مباشرة الأرض عند السجود هو الأصل لأنّه علق بعدم الاستطاعة . ومثله الشوكاني في نيل الأوطار 2 : 289 .
ويدل على ذلك أمور :
1 - قوله ( صلى الله عليه وآله ) : " جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً " ( البخاري : كتاب الصلاة ، مسلم كتاب المساجد ) قال ابن حجر في الفتح 1 : 370 : " أي موضع سجود لا يختص السجود منها بموضع دون غيره " .
2 - حديث تبريد الحصى حيث كان الصحابة يقبضون الحصى بأيديهم لتبرد ثمّ يسجدوا عليها ، قال البيهقي في سننه 2 : 105 معلّقاً على الحديث : " قال الشيخ : ولو جاز السجود على ثوب متصل به لكان ذلك أسهل من تبريد الحصى في الكف ووضعها للسجود عليها " .
3 - حديث التتريب حيث أمر ( صلى الله عليه وآله ) بتتريب الوجه لله تعالى ، فهو إن لم يدل على الوجوب دلّ على أفضلية التتريب كما أخرج ذلك الحاكم في المستدرك 1 : 271 وغيره أنّ النبي ( صلى الله عليه وآله ) يقول لعبد أسود لنا : " أي رباح ترب وجهك " .
4 - أحاديث حسر كور العمامة : روي عن عليّ ( عليه السلام ) انّه قال : " إذا كان أحدكم يصلّي فليحسر العمامة عن وجهه ( السنن الكبرى للبيهقي 2 : 105 ) وروي انّ النبي ( صلى الله عليه وآله ) كان إذا سجد رفع العمامة عن جبهته ( المصدر نفسه ) .
وهذا أيضاً يدلّ على أفضلية السجود على الأرض إن لم يدل على الوجوب .
5 - سيرة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في السجود على الأرض حتّى عند المطر ( انظر : صحيح البخاري 1 : 198 كتاب الأذان باب السجود على الأنف والسجود على الطين ) .
ويمكن الرجوع إلى السنة النبوية الشريفة لملاحظة الأدلة الواردة في شرعية السجود علي التربة ، بل ولا بدية السجود عليها ، وهنا ننقل بعض الروايات النبوية المصّرحة بذلك الأمر :
1 - عن ابن عبّاس قال : " إنّ النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم سجد علي الحجر " المستدرك 1 : 473 وصححه هو والذهبي ، البداية والنهاية 5 : 173 .
وعن وقائل قال : " رأيت رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله ) يسجد على الأرض واضعاً جبهته وأنفه في سجوده " مسند أحمد 4 : 317 ، المصنف لابن أبي شيبة 1 : 293 .
وعن عاصم قال : " كان ابن سيرين إذا سجد على مكان لا يمسّ أنفه الأرض تحول إلى مكان آخر " المصنف لابن شيبة 1 : 293 .
وعن أبي حميد قال : " رأيت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أحسن الوضوء ، ثُمّ دخل الصلاة ، فذكر بعض الحديث وقال : ثُمّ إذا سجد فأمكن جبهته وأنفه من الأرض ، ونحى يديه عن جبينه " صحيح ابن خزيمة 1 : 321 .
وعن معاذ بن جبل يصف صلاة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فيقول في ضمنها : " ويخر ساجداً ، وكان يمكن جبهته وأنفه من الأرض . . " المعجم الكبير للطبراني 20 : 74 .
وعن عبادة بن الصامت قال : " إنّه - أي النبي - إذا قام إلى الصلاة حسر العمامة عن جبهته " المصنف لابن أبي شيبة 1 : 300 .
وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : " عن علي قال : إذا صلّى أحدكم فليحسر العمامة عن جبهته " المصنف لابن أبي شيبة 1 : 300 .
وعن محمّد قال : " أصابتني شجة ، فعصبت عليها عصابة ، فسألت أبا عبيدة أسجد عليها ؟ قال : لا " المصنف لابن أبي شيبة 1 : 300 .
وعن عياض بن عبد اللّه القرشي قال : " رأى النبي ( صلى الله عليه وآله ) رجلاً يسجد على كور العمامة ، فأومأ بيده أن أرفع عمامتك فأومأ إلى جبهته " المصنف لابن أبي شيبة 1 : 300 .
وعن حماد بن سلمة عن هشام عن أبيه في المعتم قال : " يمكن جبهته من الأرض " المصنف لابن أبي شيبة 1 : 301 .
وعن صالح بن خيوان السبائي وغيره : " أنّ رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله ) رأى رجلاً يسجد على عمامته ، فحسر رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله ) عن جبهته " معرفة السنن والآثار 2 : 10 ، أسد الغابة 3 : 9 ، الإصابة لابن حجر 3 : 375 .
وأن النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) قال لرجل : " إذا سجدت فأمكن جبهتك حتّى تجد حجم الأرض " معرفة السنن والآثار 2 : 7 .
وعن أبي سعيد الخدري قال : " أبصرت عيناي رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله ) انصرف علينا صبيحة إحدى وعشرين من رمضان وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين " السنن والآثار 2 : 7 .
وفي حديث النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) يعلم أصحابه الصلاة جاء فيه : " ثُمّ يكبر ويسجد فيمكن جبهته من الأرض " المستدرك 1 : 242 ، السنن الكبرى 2 : 102 .
وعن سلمان قال : " عن النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) قال : تمسحوا بالأرض فإنّها بكم برة " مجمع الزوائد 8 : 61 ، المعجم الصغير 1 : 148 ، مسند الشهاب 1 : 409 .
وروى عن النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) : " أنّه كان يصلّي على الخمرة " صحيح البخاري 1 : 100 ، مسند أحمد 2 : 92 .
أما فتاوى فقهاء الصحابة والتابعين في لزوم السجود على التراب فهي غفيرة جمة ننقل ما وقع لنا :
1 - كان عطاء لا يجوز السجود إلاّ على التراب والبطحاء . المحلّى 4 : 83 .
2 - أبو بكر فقد كان يسجد أو يصلّي على الأرض مفيضاً إليها . المصنف للصنعاني 1 : 397 .
3 - عبد اللّه بن مسعود كان يقول : لا يصلّي إلاّ على الأرض . المصنف للصنعاني 1 : 397 .
4 - وعن إبراهيم انّه كان يترك السجود على الحصير ويسجد على الأرض . المصنف للصنعاني 1 : 397 .
5 - مرة بن شراحيل الهمداني : كان يسجد على التراب حتّى اُكل جبهته ، فلّما مات رئي في المنام وقد صار مكان السجود نوراً . تذكرة الحفاظ 1 : 67 ، سير أعلام النبلاء 4 : 75 ، البداية والنهاية 8 : 76 .
6 - عروة بن الزبير : كان يكره الصلاة على شيء دون الأرض . فتح الباري 1 : 410 ، فيض القدير في شرح الجامع الصغير 5 : 284 .
7 - علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) : أرسل إلى عبد اللّه بن عبّاس أن أرسل إلي بلوح من المروة أسجد عليه . المصنف للصنعاني 1 : 308 .
بعض كلمات الفقهاء :
1 - قال الشوكاني في نيل الأوطار : " وإلى كراهته - يعني السجود على غير الأرض - ذهب الهادي " نيل الأوطار 2 : 128 .
2 - قال في شرح الأزهار : " مسألة : الهادي : ولا يجب الكشف عن السبعة إذا لم يفصل الخبر والمرتضى إلا الجبهة لقوله ( صلى الله عليه وآله ) : فيمكن جبهته من الأرض . فلا يجزي على كور العمامة " 1 : 238 .
3 - وقال ابن الحجاج المالكي : " ومن ذلك - أي الواجب في السجود - إلاّ لا يسجد على حائل بينه وبين الأرض ، فإنّه السنة .
ولمّا أدت الضرورة إلى الحصر المفروشة هناك فعلت .
وقد كان عمر بن عبد العزيز يباشر الأرض بوجهه ويديّه في سجوده ، لا يحول بينه وبين الأرض شيء ، وكذلك حال آخر السلف ، فمن قدر على ذلك فهو الأولى والأفضل في حقه .
اللهم إلاّ أن تدعو ضرورة إلى ذلك ، فأرباب الضرورات لهم أحكام أخر " المدخل 2 : 21 .
4 - وفي غنية المتملي في شرح منية المصلّي : 289 : " سئل عمّن يضع جبهته على حجر صغير هل يجوز ؟
قال : إن وضع أكثر الجبهة على الأرض يجوز وإلاّ فلا .
وحكاه عنه الحلبي في غنية المتملي في شرح منية المصلّي . . " .
5 - قال ابن تيمية : " ولم يكن النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) وأصحابه يصلّون على سجادة ، ولكن صلّى على خمرة . . وكان يصلي على الحصير والتراب " . مختصر الفتاوى المصرية : 63 .
وقال أيضاً : " وينقل عن مالك أنّه لمّا قدم بعض العلماء وفرش في مسجد النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) شيئاً من ذلك ، أمر بحبسه وقال : أما علمت أنّ هذا في مسجدنا بدعة " . مجموع الفتاوى 22 : 192 .
6 - وقال الشافعي : " ولو سجد على رأسه ولم يمسّ شيئاً من جبهته الأرض لم يجزه السجود ، وإن سجد على رأسه فماس شيئاً من جبهته الأرض أجزأه السجود إن شاء اللّه تعالى .
ولو سجد على جبهته ودونها ثوب أو غيره لم يجزه السجود إلاّ أن يكون جريحاً ، فيكون ذلك عذراً .
ولو سجد عليها وعليها ثوب متخرق فماس شيئاً من جبهته على الأرض أجزأه ، لأنّه ساجد وشئ من جبهته على الأرض " كتاب الأم 1 : 136 .
وأخيراً نختم الكلام بعبد اللّه بن مسروق التابعي الكبير كان إذا سافر أخذ معه تربة ، فقد أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه عن ابن سيرين قال : " نبئت أنّ مسروقاً كان إذا سافر حمل معه في السفينة لبنة يسجد عليها " . المصنف لابن أبي شيبة 2 : 172 .
وفي نفس المصدر أن محمّد : " كره أن يسجد على الخشبتين المقرونتين في السفينة ، وكان يأخذ لبنة يسجد عليها " .
فالسجود على التربة ليس بدعاً جاءت به الشيعة من عندها أو أُدخل عليها من أقوام آخرين ، وإنّما هو من صلب العقيدة الاسلامية السليمة ، وكانت سيرة النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) وصحبه على ذلك .
وبعد الذي تقدم يظهر علينا كاتب في القرن العشرين ليس له أي باع أو اطلاع على التراث الاسلامي ليدعي أنّ السجود على التربة من ابداعات عمر بن الخطاب .
راجع الشيعة والدولة القومية في العراق - حسن علوي .