هامش
- والقوانين الطبيعية لا تملك حتميتها المستقلّة المنظورة فيما ينفي قَدَر اللَّه وغيبه ، فإنّ التحليل العلمي نفسه يقود إلى تأكيد هذا الغيب في صميم الطبيعة وفي تركيب قوانينها العاملة . وإنّ تجاوز الاستسلام للأسباب الظاهرة هو الفعل التاريخي والعقيدي الوحيد الذي يحرّر الإنسان ويمكّنه في الوقت نفسه من صياغة وجوده ومصيره بما يشبه القفزات ، إنّه ليس ثمّة ( عبودية ) أبداً لغير اللَّه ، لا للأسباب الحتمية ، ولا لإرادة الطبيعة ، ولا لغيرها من المسمّيات .
وذلك هو ملمح أساسي أصيل يفرّق بين التفسير الإسلامي للتاريخ وبين غيره من تفاسير الكَهَنَة والوضّاعين . ولنتابع بعض التفاصيل ممّا يريد سيّد أن يقوله : « ليس الاتّكال على اللَّه وحده بمانع من اتّخاد الأسباب . فالمؤمن يتّخذ الأسباب من باب الا يمان باللَّه وطاعته فيما يأمر به من اتّخاذها ، ولكنّه لا يجعل الأسباب هي التي تنشِئ النتائج فيتّكل عليها . إنّ الذي ينشِئ النتائج - كما ينشِئ الأسباب - هو قدر اللَّه ، ولا علاقة بين السبب والنتيجة في شعور المؤمن . اتّخاذ السبب عبادة بالطاعة وتحقّق النتيجة قدر من اللَّه مستقلّ عن السبب لا يقدر عليه إلّااللَّه . وبذلك يتحرّر شعور المؤمن من التعبّد للأسباب والتعلّق بها ، وفي الوقت ذاته هو يستوفيها بقدر طاقته لينال ثواب طاعة اللَّه على استيفائها .
ولقد ظلّت الجاهلية ( العلمية ! ) الحديثة تلحّ فيما تسمّيه ( حتمية القوانين الطبيعية ) ، ذلك لتنفي ( قدر اللَّه ) وتنفي ( غيب اللَّه ) ، حتّى وقفت في النهاية عن طريق وسائلها وتجاربها ذاتها أمام غيب اللَّه وقدر اللَّه وقفة العاجز عن التنبّؤ الحتمي ، ولجأت إلى ( نظرية الاحتمالات ) في عالم المادّة . فكلّ ما كان حتمياً صار احتمالياً ، وبقي الغيب سرّاً مكتوماً ، وبقي قدر اللَّه هو الحقيقة الوحيدة المستيقنة ، وبقي قول اللَّه سبحانه :( لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً )، هو القانون الحتمي الوحيد الذي يتحدّث بصدق عن طاقة المشيئة الإلهية من وراء القوانين الكونية التي يدبّر اللَّه بها هذا الكون بقدرة النافذ الطليق .
هذه هي النقلة الضخمة التي ينقلها الاعتقاد الإسلامي للقلب البشري وللعقل البشري أيضاً ، النقلة التي تخبّطت الجاهلية الحديثة ثلاثة قرون لتصل إلى أُولى مراحلها من الناحية العقلية ، ولم تصل إلى شيء منها في الناحية الشعورية ، وما يترتّب عليها من نتائج عملية خطيرة في التعامل مع قدر اللَّه والتعامل مع الأسباب والقوى الظاهرية . إنّها نقلة التحرّر -