تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاج العروس — صفحة 395

مساهمون:

ص٣٩٥
ولابنِ فارِسٍ أَحْمد بن الحُسَيْنِ بنِ زَكَرِيّا صاحِب المُجْمل وغيرِه في أَحْكامِ كَلاَّ مُصَنَّفٌ مُسْتَقِلٌّ . وحاصِلُ ما فيه وغَيْرِه مِن الكُتُبِ ما أَوْرَدَه المصنِّفُ في البَصائِرِ قالَ : هي عنْدَ سِيبَوَيْه والخليلِ والمبرِّد والَّزجَّاج وأَكْثَر نُحَّاةِ البَصْرةِ حَرْفٌ مَعْناهُ الرَّدْعُ والزَّجْر لا مَعْنى له سِواهُ ، حتى إنَّهم يُجِيزُونَ الوَقْفَ عليها أَبَداً والابْتِداء بما بعْدَها ، حتى قالَ بعضُهم : إذا سَمِعْت كَلاَّ في سُورَةٍ فاحْكُم بأنَّها مَكِّيَّة لأنَّ فيها مَعْنى التَّهْديدِ والوَعِيدِ ، وأَكْثَرَ ما نَزَلَ ذلكَ بمكَّةَ ، لأنَّ أَكْثَر العُتُوِّ كانَ بها ، وفيه نَظَرٌ ، لأنَّ لزومَ المكِّيَّة إنَّما يكونُ عن اخْتِصاصِ العُتُوِّ بها لا عن غَلَبةٍ ( 1 ) ثم إنَّه لا يَظْهَر مَعْنى الزَّجْر في كَلاَّ المَسْبُوقَة بنَحْو ( في أَي صُورَةٍ ما شَاءَ ركبك ) ( 2 ) ( يقومُ الناسُ لرَبِّ العالَمِين ) ( 3 ) ( ثم إنَّ عَلَيْنا بَيانَه ) ( 4 ) ، وقولُ مَنْ قالَ : فيه رَدْعٌ عن تَرْكِ الإيمانِ بالتَّصْويرِ في أَيِّ صُورَةٍ شاءَ الله ، وبالبَعْث ، وعن العَجَلةِ بالقُرْآنِ فيه تَعَسُّفٌ ظاهِرٌ ، والوَارِدُ منها في التَّنْزيلِ ثلاثَةٌ وثَلاثَونَ مَوْضِعاً كُلُّها في النِّصْف الأخيرِ . ورَوَى الكِسائي وجماعَةٌ ( 5 ) : أَنَّ مَعْنى الرَّدْعِ ليسَ مُسْتمرًّا فيها ، فَزَادوا ومَعْنًى ثانِياً يصحُّ عليه أَنْ يُوقَفَ دُونَها ويُبْتَدأَ بها ، ثم اخْتَلَفُوا في تَعْيِين ذلكَ المَعْنى على ثلاثَةِ أَقْوالٍ : فقيلَ بمعْنَى حَقّاً ، وقيلَ بمعْنَى إلاَّ الاسْتِفْتاحِيَّة ، وقيلَ : حَرْفُ جَوابٍ بمنْزِلَةِ إي ونَعَم ، وحَمَلُوا عليه ( كَلاَّ والقَمَر ) ( 6 ) ، فقالوا : مَعْناه إي والقَمَر ، وهذا المَعْنى لا يَتَأَتَّى في آيَتَي المُؤْمِنِين والشُّعراء . وقولُ مَنْ قالَ بمعْنَى حَقًّا لا يَتَأَتَّى في نَحْو : ( كَلاَّ إنَّ كتابَ الفجَّارِ ) ( 7 ) ( كلاَّ إنَّهم عن رَبِّهم يَومَئِذٍ لمحْجُوبُونَ ) ( 8 ) ، لأنَّ أن تُكْسَرُ بعْدَ أَلا الاسْتِفْتاحِيَّة ولا تُكْسَر بعدَ حَقًّا ولا بعْدَما كانَ بمَعْناها ، ولأنَّ تغير ( 9 ) حَرْف بحَرْفٍ أَوْلى مِن تغيرِ حَرْفٍ باسْمٍ ، وإذا صَلَح المَوْضِع للرَّدْع ولغيره ( 10 ) جازَ الوَقْفُ عليها والابْتِداءُ بها على اخْتِلاف التَّقْدِيرَيْن ، والأَرْجَح حَمْلها على الرَّدْع لأنَّه الغالِبُ عليها ، وذلك نحو : ( اطَّلَع الغَيْب أَم اتّخَذ عنّدَ الرَّحْمن عَهْداً ، كَلاَّ سَنَكْتُب ما يقولُ ) ( 11 ) ( واتّخَذُوا مِن دُونِ الله آلهَةً ليَكُونوا لهُم عِزّاً كَلاَّ سَيَكْفرُون بعِبادَتِهم ) ( 12 ) ؛ وقد يَتَعَيَّن للرَّدْعِ أَو الاسْتِفْتاحِ نحو : ( رَبِّ ارجعون لعلِّي أَعْمَلُ صالحاً فيما تَرَكْت كَلاَّ إنَّها ( 13 ) كَلِمةُ ) لأنَّها لو كانتْ بمعْنَى حَقًّا لمَا كُسِرَتْ هَمْزةُ إنّ ؛ ولو كانتْ بمعْنَى نَعَم لكانَتْ للوَعْد بالرّجُوعِ لأنّها بعْدَ الطَّلَب كما يقالُ : أكرم فلاناً فيقولُ نَعَم ؛ ونحوَ : ( قالَ أَصْحابُ مُوسَى إنَّا لمُدْرَكُون ، قال : كَلاَّ إنَّ مَعي رَبِّي سَيَهْدِينِ ) ( 14 ) وذلكَ لكَسْر إن ، ولأنَّ نَعْم بعْدَ الخَبَر للتَّصْدِيقِ ، وقد يَمْتنعُ كَوْنها للزَّجْرِ وللرَّدْعِ نحو : ( وما هي إلاَّ ذِكّرى للبَشَر كَلاَّ والقَمَر ) ( 15 ) ، إذ ليسَ قَبْلَها ما يصحُّ رَدّه ؛ وقوله تعالى : ( كَلاَّ سَيَكْفرُونَ بعِبادَتِهم ) قُرئ بالتّنْوين على أنَّه مَصْدرُ كَلَّ إذا أَعْيَا ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشري كَوْنَه حَرْف الرَّدْع نونِّ كما في ( سلاسلاً ) ( 16 ) ورَدَّ ( 17 ) بأَنَّ سلاسلا اسْمٌ أَصْلُه التَّنْوين فَردَّ إلى أَصْلِه ، ويُصَحِّح تأْوِيل الزَّمَخْشري قِراءَة مَنْ قَرَأَ ( واللّيْل إذا يسر ) ( 18 ) ، بالتَّنْوين ، إذا الفِعْل ليسَ أَصْلُه التَّنْوين . وقال ثَعْلَب : كَلاَّ مُرَكَّبَةٌ مِن كافِ التّشْبيِه ولا النَّافيةِ ، وإنَّما شُدِّدَتْ لامُها لتَقْوِيَةِ المَعْنى ولدَفْع تَوَهّم بَقَاء مَعْنى الكَلِمَتَيْن ؛ وعنْدَ غَيْرِهِ بَسِيطة كما ذَكَرْنا . هذا آخِرُ ما أَوْرَدَه المصنِّفُ في البَصائِرِ .
هامش
( 1 ) في مغني اللبيب ص 249 : عن غلبته . ( 2 ) سورة الانفطار ، الآية 8 . ( 3 ) سورة المطففين ، الآية 6 . ( 4 ) سورة القيامة ، الآية 19 . ( 5 ) في مغني اللبيب ص 250 : ورأي الكسائي وأبو حاتم ومن وافقهما . ( 6 ) سورة المدثر ، الآية 32 . ( 7 ) سورة المطففين ، الآية 7 . ( 8 ) سورة المطففين ، الآية 15 . ( 9 ) في مغني اللبيب ص 250 : تفسير . ( 19 ) عن مغني اللبيب وبالأصل تغير . ( 11 ) سورة مريم ، الآية 78 و 79 . ( 12 ) سورة مريم ، الآية 81 و 82 . ( 13 ) سورة المؤمنون ، الآية 100 . ( 14 ) سورة الشعراء ، الآية 61 - 62 . ( 15 ) سورة المدثر ، الآية 31 - 32 . ( 16 ) سورة الإنسان ، الآية 4 . ( 17 ) هو أبو حيان ، وقد رد ما ذكره الزمخشري ، أفاده . ( 18 ) سورة الفجر ، الآية 4 .