فذكر ذلك له فأذن في الناس فدخلوا عليه فقال إن خليلي قال يا علي إنك ستقدم على الله وشيعتك راضين مرضيين ويقدم عليه عدوك غضابا مقمحين ثم جمع علي يده إلى عنقه يريهم الإقماح
وشيعته هم أهل السنة لأنهم الذين أحبوهم كما أمر الله أمرنا ورسوله وأما غيرهم فاعداؤه في الحقيقة لأن المحبة الخارجة عن الشرع الجائرة عن سنن الهدى هي العداوة الكبرى فلذا كانت سببا لهلاكهم كما مر آنفا عن لاصادص المصدوق
وأعداؤهم الخوارج ونحوهم من أهل الشام لا معاوية ونحوه من الصحابة لأنهم متأولون فلهم أجر وله هو وشيعته أجران رضي الله عنهم
ويؤيد ما قلناه من أن أولئك المبتدعة الرافضة والشيعة ونحوهما ليسوا من شيعة
علي وذريته بل من أعدائهم ما أخرجه صاحب المطالب العالية عن علي ومن جملته أنه مر على جمع فأسرعوا إليه قياما فقال من القوم فقالوا من شيعتك يا أمير المؤمنين
فقال لهم خيرا ثم قال يا هؤلاء مالي لا أرى فيكم سمة شيعتنا وحلية أحبتنا فأمسكوا حياء فقال له من معه نسألك بالذي أكرمكم أهل البيت وخصكم وحباكم لما أنبأتنا بصفة شيعتكم
فقال شيعتنا هم العارفون بالله العاملون بأمر الله أهل الفضائل الناطقون بالصواب مأكولهم القوت وملبوسهم الاقتصاد ومشيهم التواضع نجعوا لله بطاعته وخضعوا إليه بعبادته مضوا غاضين أبصارهم عما حرم الله عليهم رامقين أسماعهم على العلم بربهم نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالتي نزلت منهم في الرخاء رضوا عن الله تعالى بالقضاء فلولا الآجال التي كتب الله تعالى لهم لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين شوقا إلى لقاء الله والثواب وخوفا من أليم العقاب عظم الخالق في أنفسهم وصغر ما دونه في أعينهم فهم والجنة كمن رآها فهم على أرائكها متكئون وهم والنار كمن رآها فهم فيها معذبون صبروا أياما قليلة فأعقبتهم راحة طويلة أرادتهم الدنيا فلم يريدوها وطلبتهم فأعجزوها أما الليل فصافون أقدامهم تالون لأجزاء القرآن ترتيلا يعظون أنفسهم بأمثاله ويستشفون لدائهم بدوائه تارة وتارة يفترشون جباههم وأكفهم وركبهم وأطراف أقدامهم تجري دموعهم على خدودهم يمجدون جبارا عظيما ويجأرون
إليه في فكاك رقابهم
هذا ليلهم فأما نهارهم فحكماء علماء بررة أتقياء براهم خوف باريهم فهم كالقداح تحسبهم مرضى أو قد خولطوا وما هم بذلك بل خاسرهم من عظمة ربهم وشدة سلطانه ما طاشت له قلوبهم وذهلت منه عقولهم فإذا أشفقوا من ذلك بادروا إلى الله تعالى بالأعمال الزاكية لا يرضون له بالقليل ولا يستكثرون له الجزيل فهم لأنفسهم متهمون ومن أعمالهم مشفقون ترى لأحدهم قوة في دين وحزما في لين وإيمانا في يقين وحرصا على علم وفهما في فقه وعلما في حلم وكيسا في قصد وقصدا في غنى وتجملا في فاقة وصبرا في شفقة وخشوعا في عبادة ورحمة لمجهود وإعطاء في حق ورفقا في كسب وطلبا في حلال ونشاطا في هدى واعتصاما في شهوة لا يغره ما جهله ولا يدع إحصاء ما عمله يستبطىء نفسه في العلم وهو من صالح عمله على وجل
الصواعق المحرقة في الرد على أهل البدع والزندقة — صفحة 154
مساهمون: عبد الوهاب عبد اللطيف
ص١٥٤