رفع القبور والبناء عليها بدعة من البدع التي
ثبت النهى عنها واشتد وعيد رسول الله لفاعلها ، كما يأتي بيانه ، ولم يخالف في ذلك
أحد من المسلمين أجمعين ، لكنه وقع للإمام يحي بن حمزة مقالة تدل على أنه يرى أنه لا
بأس بالقباب والمشاهد على قبور الفضلاء ، ولم يقل بذلك غيره ، ولا روي عن أحد سواه ،
ومن ذكرها من المؤلفين في كتب الفقه من الزيدية فهو جرى على قوله واقتداء به . ولم
نجد القول بذلك ممن عاصره ، أو تقدم عصره عليه لا من أهل البيت ولا من غيرهم . وهكذا
اقتصر صاحب البحر الذي هو مدرس كبار الزيدية ، ومرجع مذهبهم ومكان البيان لخلافهم في
ذات بينهم ، وللخلاف بينهم وبين غيرهم ، بل اشتمل على غالب أقوال المجتهدين وخلافاتهم
في المسائل الفقهية ، وصار هو المرجوع إليه في هذه الأعصار ، وهذه الديار لمن أراد
معرفة الخلاف في المسائل ، وأقوال القائلين بإثباتها أو نفيها من المجتهدين : فإن
صاحب هذا الكتاب الجليل لم ينسب هذه المقالة - أعني جواز رفع القباب والمشاهد على
قبور الفضلاء - إلا إلى الإمام يحيى وحده . فقد قال ما نصه :
مسألة الإمام يحيى : لا بأس بالقباب والمشاهد على قبور الفضلاء والملوك ؟ لاستعمال
المسلمين ولم ينكره . انتهى .
فقد عرفت من هذا أنه لم يقل بذلك إلا الإمام يحيى ، وعرفت دليله الذي استدل به ، وهو
استعمال المسلمين مع عدم النكير ، ثم ذكر صاحب البحر هذا الدليل الذي استدل به
الإمام يحيى في الغيث واقتصر عليه ، ولم يأت بغيره .
فإذا عرفت هذا تقرر لك أن هذا الخلاف واقع بين الإمام يحيى وبين سائر العلماء ، من
الصحابة
شرح الصدور بتحريم رفع القبور — صفحة 6
مساهمون: محمد بن علي الشوكاني
ص٦