فإنا مقتولان فولى راكضاً ، وقتل الرجلان ، وفي ذلك يقول زفر من أبيات :
لعمري لقد أبقتْ وقيعةُ راهط * لمروان صدعاً بيننا متنائيا
أريني سلاحي لا أبا لك إنني * أرى الحرب لا تزداد إلا تماديا
فقد ينبت المرعى على دمن الثرى * وتبقى حزازات النفوس كما هيا
أتذهب كلبْ لم تنلها رماحنا * وتترك قتلى راهط هي ما هيا
فلم ترَ منّي نبوة قبل هذه * فراري وتركي صاحبيَّ ورائيا
عشية أعدو في الفريقين لا أرى * من القوم إلا من عليّ ولا ليا
أَيذهب يوم واحد إن أسأته * بصالح أيامي وحسن بلائيا
وانتهى زفر بن الحارث من هزيمته إلى قرقيسيا فغلب عليها ، واستقام الشام لمروان .
قرميسين : بلد جليل من كور الجبل بينه وبين آمد ثلاث مراحل ، وإليها ينسب عبد السلام بن الحسين القرميسني البصري اللغوي صاحب التأليف في الحماسة وغيرها ، أصلها بالفارسية كرمان شاهان فعرب .
القِراصة : بكسر أوله وبالصاد المهملة ، بالمدينة ، بها كان حائط جابر بن عبد الله الذي عرض أصله وثمره على يهود فيما كان لهم عليه ، فأبوا أن يقبلوها منه فشكا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " إذا حان جدادها فجدّها ، ثم ائتني " ، ففعل ، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فبرك ودعا له أن يؤدي عن جابر ثم قال صلى الله عليه وسلم : " يا جابر اذهب إلى غرمائك فشاطرهم على سعر وائت بهم " ، ففعل ، فقال بعضهم لبعض : ألا تعجبون لهذا ؟ عرض أصله وثمره فأبينا ، ويزعم أنه يوفينا من ثمره ؟ فجاء بهم حتى وفاهم حقوقهم ، وفضل منها مثل ما كانوا يجدون في كل سنة .
قرَّة : في بلاد الروم ، كان الرشيد أغزى ابنه القاسم بلاد الروم فأتى قرة فأقام على حصنها ، فافتداها نقفور طاغية الروم بثلاثمائة أسير من المسلمين ، فأجابه إلى ذلك .
وفي سنة تسع وستمائة نزل عليها العدو في نيف على عشرين قطعة ، وأهلها غافلون فاستولى
عليها وأخذ الأبكار في الحمامات والديار وسبى جميع نسائها ، وكانت قضية من الكوائن الشنيعة .
قُرْطُبة : قاعدة الأندلس وأم مدائنها ومستقر خلافة الأمويين بها وآثارهم بها ظاهرة ، وفضائل قرطبة ومناقب خلفائها أشهر من أن تذكر ، وهم أعلام البلاد وأعيان الناس ، اشتهروا بصحة المذهب وطيب المكسب وحسن الزي وعلو الهمة وجميل الأخلاق ، وكان فيها أعلام العلماء وسادات الفضلاء ، وتجارها مياسير وأحوالهم واسعة ، وهي في ذاتها مدن خمس يتلو بعضها بعضاً ، وبين المدينة والمدينة سور حاجز ، وفي كل مدينة ما يكفيها من الأسواق والفنادق والحمّامات وسائر الصناعات ، وطولها من غربيها إلى شرقيها ثلاثة أميال ، وعرضها من باب القنطرة إلى باب اليهود ميل واحد وهي في سفح جبل مطل عليها يسمى جبل العروس ، ومدينتها الوسطى هي التي فيها باب القنطرة .
وبها الجامع المشهور أمره الشائع ذكره من أجل مصانع الدنيا كبرَ مساحة وإحكامَ صنعة وجمالَ هيئة وإتقان بنية تهمم به الخلفاء المروانيون فزادوا فيه زيادة بعد زيادة ، وتتميماً إثر تتميم ، حتى بلغ الغاية في الإتقان ، فصار يحار فيه الطرف ويعجز عن حسنه الوصف وليس في مساجد المسلمين مثله تنميقاً
الروض المعطار في خبر الأقطار — صفحة 456
مساهمون: إحسان عباس
ص٤٥٦