عمرة من الموارقة والأغزاز في هذه السنة ، وكانت وقيعة شديدة على الموحدين أثخن فيهم الموارقة والأغزاز وهزموهم ، فامتعض المنصور من ذلك واستبد برأيه ، وتحرك من تونس في رجب هذه السنة واشتد على من تخلف عنه ، وتمادى إلى القيروان فدخلها وتطوف على آثارها وصلى بجامعها وزار مقبرتها ، ولما كان على فرسخين من الحمة هذه وجه خيلاً لمنازل الأعراب الذين مع الموارقة فشنوا الغارة هناك مع الصباح واكتسحوهم وساقوا أموالهم وقفلوا ، وبلغ ذلك العرب فارفضت جموعهم وتضعضعت محلة الموارقة بسبب ذلك ، ثم ناجز القوم وباشر الحرب بنفسه فاستؤصلت الموارقة في المعترك وأفلت قراقش وابن غانية واتبعهم السيف إلى الليل ، ثم توجه إلى قابس فاستسلم أهلها وفتحوا له أبوابها ، وأسلموا أصحاب قراقش وشيعته ، وكان اتخذها حصناً وشحنها بشيعته وأصحابه ، وامتنعت شيعته بقصر العروسين منها يومين ، ثم نزلوا إليه من الأسوار راغبين في الأمان ، فبعث بهم في البحر إلى تونس ووبخ أهل قابس على اتباع كل ناعق ، ثم انحفز إلى توزر فأعلنوا له الطاعة . وفي ذلك يقول أبو بكر بن مجبر :
أسائلكم لمن جيش لهام * طلائعه الملائكة الكرام
تجاذب خيله اليمن اغتباطاً * بعصمته وتخطبه الشآم
ويعطو المسجد الأقصى إليه * ويشرف نحوه البيت الحرام
ومنها :
مضى متقلداً سيفي مضاء * هما الإلهام والجيش اللهام
فسل ما حل بالأعداء منه * وكيف استؤصل الداء العقام
لقد برزت إلى هول المنايا * وجوه كان يحجبها اللثام
وما أغنت قسي الغز عنها * فليست تدفع القدر السهام
كأن الحرب كانت ذات عقل * صحيح لم يحل به سقام
فأفنت كل من دمه حلال * وأبقت كل من دمه حرام
متى يك من ذوي الكفر اعتداء * يكن من فرقة التقوى انتقام
وقال هو أو الجراوي في ذلك أيضاً :
رأى الشقاء ابن إسحاق أحق به * من السعادة والمحدود محدود
وكيف يحظى بدنيا أو بآخرة * محلأ عن طريق الخير مطرود
أعمى ونور الهدى باد له وكذا * من لم يساعده توفيق وتسديد
لم يصغ للوعظ لا قلباً ولا أذناً * وكيف تصغي إلى الوعظ الجلاميد
لجت ثمود وعاد في ضلالهم * ولم يدع صالح نصحاً ولا هود
والسيف أبلغ فيمن ليس يردعه * عن الغواية إيعاد وتهديد
أولى له لو تراخى ساعة لغدا * وريده وهو بالخطي مورود
أنحى الزمان على الأعداء واجتهدت * في قطع دابرهم أحداثه السود
يوم جدير بتعظيم الأنام له * فما يقاس به في حسنه عيد
الروض المعطار في خبر الأقطار — صفحة 201
مساهمون: إحسان عباس
ص٢٠١