ما أرى هذا الرجل وأنا أصحبه منذ حين ثمّ يتخطّاني بحوائجه إلى بعض غلماني ،
فلمّا كان من الغد حمّ أبو بصير بزبالة فدعا عليّ بن أبي حمزة وقال : أستغفر الله ممّا
حلّ في صدري من مولاي من سوء ظنّي ، إنّه قد كان علم أنّي ميّت وأنّي لا ألحق
الكوفة ، فإذا أنا متّ فافعل بي كذا وتقدّم في كذا ، فمات أبو بصير بزبالة " ( 1 ) فمع كونه
خبراً واحداً لا يوجب قدحاً مخلاّ بحاله ، فإنّ الناس أعداء ما جهلوا وموسى
الكليم ( عليه السلام ) مع عصمته ومقام نبوّته الخاصّة لم يستطع صبراً لترك الاعتراض في ما
لم يفهم حكمته مع التقدّم إليه بتركه ، فكيف بنفوس غير معصومة ؟ !
وليس بعد المعصومين ( عليهم السلام ) أحد أجلّ من سلمان ، وفي خبر الكشّي : إن
أردت الّذي لم يشكّ ولم يدخله شئ فالمقداد ، فأمّا سلمان فإنّه عرض في قلبه
أنّ عند أمير المؤمنين ( عليه السلام ) اسم الله الأعظم لو تكلّم به لأخذتهم الأرض .
مع أنّ ذيله دالّ على أنّ بمجرّد عروض الحمّى له فهم الحكمة في فعله ( عليه السلام )
واستغفر من خطور ذلك الخاطر .
وأمّا ما رواه الكافي " عن كليب بن معاوية قال : كان أبو بصير وأصحابه
يشربون النبيذ يكسرونه بالماء ، فحدّثت بذلك أبا عبد الله ( عليه السلام ) فقال لي : وكيف
صار الماء يحلّل المسكر ( إلى أن قال ) فأمسكوا عن شربه ، فاجتمعنا عند
أبي عبد الله ( عليه السلام ) فقال له أبو بصير : إنّ ذا جاءنا عنك بكذا وكذا ، فقال ( عليه السلام ) : صدق يا
أبا محمّد ، فلا تشربوا منه قليلا ولا كثيراً " ( 2 ) فلا دلالة فيه على ذمّه كما لا يخفى .
وأمّا ما في ذبائح التهذيب عن شعيب العقرقوفي قال : كنت عند
أبي عبد الله ( عليه السلام ) ومعنا أبو بصير وأُناس من أهل الجبل يسألونه عن ذبائح أهل
الكتاب ، فقال ( عليه السلام ) لهم : قد سمعتم ما قال الله تعالى في كتابه ، فقالوا : نحبّ أن
تخبرنا ، فقال : لا تأكلوها ، فلمّا خرجنا من عنده قال أبو بصير : كلها في عنقي ما
فيها ، فقد سمعته وسمعت أباه جميعاً يأمران بأكلها ، فرجعنا إليه فقال لي أبو بصير :
هامش
( 1 ) كشف الغمّة : 2 / 249 .
( 2 ) الكافي : 6 / 411 .