بالسابقة لهم وعليهم فهو الحق سبقت لهم منا الحسني حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون وسقط ما دونها وقد قيل إنما يوزن من الأعمال خواتيمها والخواتم من السوابق وما بينهما زاهق والوزن يومئذ الحق ما سبق من العدل والصدق وتمت كلمة ربك صدقا لأوليائه وعدلا على أعدائه ألا له الخلق والأمر .
ذكر المقام السادس من مشاهدة المقربين
الخيرات هي من ثمرات الإيمان ، والصالحات هي مقتضى اليقين ، واللعب مقتضى الشك ، والسمع والبصر وصفان للمتقين ، والعمى والصمم وصفان للشك . تنتظم هذه المعاني في قول الله تعالى : * ( قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ به إِيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) * [ البقرة : 93 ] ، فدل أن الإيمان يأمر المؤمنين بالبر والتقوى وقوله تعالى مخبرا عمن أيقن فسمع وأبصر فينال العمل الصالح : * ( رَبَّنا أَبْصَرْنا وسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ ) * [ السجدة : 12 ] . وقوله تعالى في وصف اللاعبين : * ( بَلْ هُمْ في شَكٍّ يَلْعَبُونَ ) * [ الدخان : 9 ] . ثم ذكر حالهم لعدم اليقين فقال تعالى : * ( ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ ) * [ هود : 20 ] لأنهم لم يكونوا موقنين . فلما جاءهم اليقين وهو المعاينة أبصروا وسمعوا فقالوا : وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين فوصفهم بشدة السمع والبصر حينئذ لما أيقنوا فقال عزّ وجلّ : * ( أَسْمِعْ بِهِمْ وأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا ) * [ مريم :
38 ] أي ما أسمعهم وأبصرهم اليوم لما جاؤنا فرأوا ما عندنا وهذا للمبالغة في الوصف كما تقول : أكرم وأعظم به أي : ما أكرمه وأعظمه . فكذلك إذا أتيته اليوم وأنت موقن سمعت ما لم تسمع وأبصرت ما لم تر قبل ذلك ولكن شغلتك الأزواج التي خلق والأشكال والأشباه التي أظهر فتألهت إليها ووقفت معها ولو فررت منها إلى الله تعالى لفررت إلى خير مفر ولأواك عنده في أحسن مقر وقد أمرك بالفرار منها إليه لو قبلت ونهاك عن التأله إليها لو سمعت وبين لك النذارة لو فهمت وجعل ما خلق من الأزواج تذكرة به لو عرفت ورادة إليه لو أنك للذكر اتبعت ومشوقة إليه لو كنت لقربه أحببت أما سمعته يقول : * ( ومن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) * [ الذاريات : 49 ] ، أي مثلين وشكلين لكي تذكروا الله بها وتشتاقوا إليه منها ثم قال : * ( فَفِرُّوا إِلَى الله ) * [ الذاريات : 50 ] ، أي عنها بالزهد ثم قال : * ( ولا تَجْعَلُوا مَعَ الله إِلهاً آخَرَ ) * [ الذاريات : 51 ] ، أي لا تؤلهوا معه إلها ولا تشركوا بتألهكم إليه إياها فهذا فهم المقربين عن سمعهم بشهادة أبصار قلوبهم فعندها كان استجابتهم له كما قال : إنما يستجيب الذين يسمعون وقال : * ( ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا