ففعل الأهم كالعلة لعدم المطلوبية في المهم فتحقق مطلوبية المهم مع تحقق علة
عدمها هو المحال المستلزم لاستحالة لازمه ، وهو طلب الجمع ، وبالجملة عدم
مطلوبية الجمع الذي هو مقتضى الترتب وتضاد الامتثالين الذي هو مقتضى
الترتب يستحيل أن يكون مانعا عن الترتب فان مقتضى الشئ لا يعقل أن يكون
مانعا عن تأثيره .
فإذا عرفت هذه المقدمات تعرف أنه لا مانع من الأمرين بضدين بنحو الترتب
والنتيجة في غاية الوضوح فلا حاجة إلى إعادة توضيحها ، وفي هذه المقدمات
جلا أو كلا مواقع للنظر لا بأس بالإشارة إليها ، وبيان ما هو المناسب للقول
بالجواز .
" أما المقدمة الأولى : "
ففيها أولا : أن إنكار جعل الشرطية ( 1 ) وإرجاعها إلى الموضوع بملاحظة
هامش
1 - توضيح المقام أن الباعث لهذا القائل إلى انكار الشرطية بمعنى الوساطة في الثبوت وارجاعها
إلى الموضوع وإن معنى اشتراط وجوب الحج بالاستطاعة الحكم على المستطيع بالحج أمران أحدهما
أن ظاهر أدلة الاحكام اشتمالها على احكام كلية متعلقة بموضوعات خاصة بنحو القضايا الحقيقية
وفعلية تلك الأحكام الكلية بفعلية تلك الموضوعات من مقتضيات تعلق الحكم الكلى من أول الأمر
بموضوعه الكلى لا بسبب أمر آخر ولو كانت هذه الأمور المسماة بالشرائط من قبيل الوسائط في ثبوت
الحكم له لم يكن هناك جعل الحكم من الأول بل كانت الأدلة متكفلة الموعد بإنشائه عند حصول
الشرط لا من جعل الحكم ومن قبيل الاخبار به لا من قبيل انشائه والجواب إن انشاء الحكم ليس عين
جعل الحكم حقيقة فان للبعث مثلا نحوين من الوجود فتارة يوجد بوجوده الانشائي الذي تمام حقيقته
إيجاد المعنى بايجاد لفظي عرضي فإنه نحو من أنحاء استعمال اللفظ في المعنى وأخرى يوجد بوجوده
الحقيقي المناسب له في نظام الوجود وهو المعنى الاعتباري الذي ينتزع من الانشاء بداعي جعل
الداعي وبينهما فرق كما بين الموجود بالحمل الأولى والموجود بالحمل الشائع فالأدلة متكفلة
لانشاء الحكم على تقدير كذا والمنشأ والنساء موجودان كالايجاد والوجود من دون انفكاك وحيث
أن هذا الانشاء متضمن لتعليق ذلك الأمر الاعتباري الذي هو حقيقة الحكم فلا محالة لا يكون تام
المنشائية إلا بعد تحقق المعلق عليه فكما لا مجعول بالحقيقة كك لا جعل بالحقيقة لاستحالة الانفكاك
نعم حيث أنه جعل ذات المنشأ مع التعليق فيكون ذلك الأمر الانتزاعي مجعولا بجعله بالقوة قبل
حصول المعلق عليه وبالفعل عنه حصوله والحاجة إلى جعل افتقر .
فان قلت : حقيقة الحكم اعتبار من الشارع تكليفا ورفعها والمعتبر أمر متأخرا فالجعل فيما لم يزل
والمجعول فيما لا يزال .
قلت : كل هوية كانت متأصلة أو اعتبارية لها نسبتان نسبة إلى جاعلها ومن يقوم به ونسبة إلى قابلها
وما تحل فيه والايجاد بالاعتبار الثاني فان أريد ان الايجاد الذي هو عين قيام الهوية الاعتبارية بالمعتبر
متحقق فعلا والوجود الذي هو وجود ذات المعنى متحقق في ظرفه فهو عين انفكاك الوجود عن
الايجاد المتحدين بالذات المختلفين بالاعتبار وان أريد ان الايجاد والوجود الاعتباري الفعل لكن طرف
ذلك الوجود الاعتباري متأخر فهو اعتبار أمر متأخر ففيه ان التأخر ليس من شؤون المعنى والماهية حتى
يمكن اعتبار المعنى بماله من الشأن والصفة بل التأخر بلحاظ الوجود والمفروض ان المعنى المتأخر لا
وجود له إلا هذا الوجود الاعتباري فلا معنى لتأخره بهذا النحو من الوجود مع كون الوجود الاعتباري
المتحد بالذات مع الايجاد الاعتباري فعليا ولا يعقل انفكاك الماهية عن الوجود فمع تحققها بوجودها
المفروض بكون الاعتبار والمعتبر فعليين وإن أريد ان الايجاد الاعتباري والوجود الاعتباري والمعتبر
بهذا الموجود فعلى لكنه في مصب مخصوص وفرض خاص ففيه ان تحقق ذلك التقدير ان كان موجبا
لترقي هذا الوجود من حد إلى حد فهو فعلى غير موجود بذلك النحو من الوجود الذي يترتب عليه الأثر
المترقب فهو خلف وإن لم يكن دخيلا في الترقي والخروج من حد إلى حد فلا معنى لجعله في ذلك
التقدير الذي كان وجوده وعدمه على حد سواء .
ثانيها : أن رسالة المسمى بالشرط اما تكوينية أو تشريعية فإن أريد الأولى لزم خروج المجعول
التشريعي المنبعث عنه عن كونه مجعولا تشريعيا زمام أمر وبيد الشارع الجاعل له فإنه على الفرض من
رشحات ما ليس علم أمره بيد الشارع وهو خلف وإن أريد الثانية فهو محال لأن القابل للجعل التأليفي ما
كان من المحمول بالضميمة دون ما كان من خارج المحمول والعلية من قبيل الثاني فيستحيل جعل
العلية لشئ .
والجواب إما إذا أريد الأولى فبما ذكرناه في متن الحاشية من أنه خلط بين المقتضى والشرط فان
المعلول يترشح من العلة بمعنى السبب والمقتضى لا من الشرط بداهة ان الاحراق يترشح من النار لا
من الواضح والمحاذات ويبوسته المحل الفاعل أو قابلية القابل وأما إذا أريد الثانية فيتحقق الحال أن
الجعل التأليفي لا يختص بالمحمول بالضميمة فان ملاك قبول شئ الجعل هو ما إذا لم يكن ضروريا
خارجا عن هذا الجعل نظير ذاتيات شئ بالإضافة إلى ذاته فان جعل الذات عين جعل ذاتياته فكما لا
معنى لجعل الانسان انسانا كك لا معنى لجعله حيوانا أو ناطقا ونظير لوازم الماهية التي لا تنفك عنها
كالزوجية للأربعة فان جعل الأربعة جعل الزوجية فلا معنى لجعل الأربعة زوجا وأما الأمور الانتزاعية
التي ليست ذاتية لذات ينشأ الانتزاع كجعل الجسم فوقا فهو قابل للجعل التأليفي غاية الأمر أن سنخ
المجعول حيث إنه مقولة انتزاعية يستحيل قبول الجعل استقلالا بل يتبع جعل منشأ انتزاعه وحينئذ
فنقول كما أن جزئية السورة للصلاة يستحيل جعلها ابتداء استقلالا ويصح جعلها بالأمر بالمركب منها
ومن غيره حيث إن البعضية للمطلوب ليست من ذاتيات السورة ولا من لوازمها الغير المنفكة عنها بل لا
موقع لهما إلا مرحلة الطلب فيصح جعلها بجعل مصحح انتزاعها وهو الأمر بالمركب وهكذا الشرطية
للطهارة في المطلوبية فإنها ليست من ذاتيات الطهارة ولا من لوازمها الغير الفارقة عنها بل موقع تحققها
مرحلة تعلق الأمر بالصلاة المقيدة بالطهارة فيصح جعلها بجعل مصحح انتزاعها فكذلك شرطية
الاستطاعة لوجوب الحج لا لتمامية مصلحة الحج فان الأولى جعلية بعين تعليق ايجاب الحج عليها
والثانية واقعلية ماهوية لا جعلية تكوينية ولا تشريعية .
فان قلت : التكليف منشأ انتزاع الشرطية والمنشأ متقدم بالذات على الأمر المنتزع عنه فكيف
يعقل ان يكون متأخرا عنه ومعلولا له ولو بنحو تأخر المشروط عن شرط .
قلت : منشأ انتزاع الشرطية ذات المسمى بالشرط فإنه الذي يقوم به فينتزع عنه عنوان الشرط كما
في كل عنوان فإنه لا يوصف به إلا ما قام به مبدء ذلك العنوان والأمر كك في الجزئية فان منشأ انتزاعها
ذات السورة مثلا فإنها الموصوفة بأنها جزء فالمبدء وهو الأمر الانتزاعي الذي ليس له ما بحذاء قائم بها
لا بالأمر بالمركب نعم الأمر بالمركب مصحح لانتزاعها وليس مصحح انتزاع شرطية الاستطاعة لوجود
الحج نفس وجوب الحج المحذور بل نفس الانشاء المتضمن لتعليق وجوب الحج على الاستطاعة
مصحح عنوانين متضائفين في وجوب الحج والاستطاعة وهما عنوانا المشروطية والشرطية فما
هو متقدم على هذين العنوانين هو الكلام الانشائي المشتمل على التعليق والترتيب المتأخر عن ذات
الاستطاعة بالذات حقيقة بالبعث المنتزع عن الإنشاء بداعي جعل الداعي فما هو المتأخر بالذات عن
الشرط غير ما هو المتقدم بالذات عليه كما أن عنواني المشروطية والشرطية متضائفان لا علية بينهما
وإنما العلية بين ذاتيهما كما في كل علة ومعلول .
وبعد ما تبين أن هذا المعنى من العلية لا موقع له إلا مرحلة التكليف المجعول فمقام ذاته هذه
المرحلة التي هي عين الجعل التشريعي فلا يخرج البعث الذي هو مجعول تشريعي عن كونه مجعولا
تشريعيا بترتبه على أمر كان ترتبه عليه بالجعل وإنما يخرج عن الأصالة إلى التبعية كما أن العلية الجعلية
حيث إنها مجعولة بنفس الكلام الانشائي لان حقيقتها انتزاعية إنما لا يقبل الجعل الاستقلالي لا الجعل
التبعي كما في كل أمر انتزاعي فان جعله بتبع جعل منشأ انتزاعه .
أو مصحح انتزاعه ومن جميع ما ذكرنا تبين انه لا مانع من وساطة المسمى بالشرط للثبوت فلا
حاجة إلى إرجاعه إلى الموضوع بجعله عنوانا للمكلف مع أن إرجاعه إلى الموضوع لا يخرجه عن
العلية فان دوران الحكم مدار الموضوع لا يكون لا بنحو من العلية فان التلازم بين شيئين لا يكون إلا
بعلية أو المعلولية لعلة واحدة توضيحه أن الحكم من حيث تقومه بأطرافه من الحاكم والمحكوم به
والمحكوم عليه نظير الاعراض النسبية فإنها تتوقف على موضوعاتها وعلى الخارج عنها فان مقولة إلا
أين وهو الكون في المكان له قيام بالكائن فيه قيام العرض بموضوعه وله تعلق بالمكان بحيث لولاه لا
يعقل الكون الأيني والموضوع والطرف النسبة الخاصة بمنزلة الشرط لوجود هذه المقولة ولا نعنى
بالشرطية إلا أنه لابد منه في تحققه بسببه فكذا المكلف بعنوانه طرف البعث النسبي بحيث لابد منه في
تحققه بإنشائه من فاعله فلابد من فرض وجوده في فرض وجود البعث كما لابد من تحققه خارجا في
موقع خروجه من حد الفرض والتقدير إلى حد الفعلية والتحقيق : ومما ذكرنا يظهر أن اتعاب النفس
في اخراج الشرائط عن كونها وادراجها تحت عنوان الموضوع بل وجه أصلا وسيأتي انشاء الله تعالى ان
الأثر المترقب من جعلها موضوعات الاحكام وهو عدم خروج الواجب المشروط عن كونه مشروطا
بتحقق شرطه لا يدور مدار الموضوعية بل مترتب على ابقائه على ظاهره من كونه معلقا عليه فانتظر
( منه ) .