تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الدراية في شرح الكفاية ( ط . ق ) — صفحة 371

مساهمون:

ص٣٧١
فان قلت : هذا فيما كانت الغاية مترتبة على ذات الفعل لا على فعل المأتي به بداعي الوجوب فان وجوبه لا محالة لتحقيق موضوع الغاية . قلت : قد ذكرنا في محله أن قصد القربة وسائر الشرائط دخلية في فعلية التأثير وإلا فالمقتضي ذات الصلاة مثلا ، والغاية لا تدعوا إلا إلى ذيها . نعم ينبعث منها إرادات مقدمية لما له دخل في فعلية ترتب العناية على ذي الغاية فيعود الأشكال فتدبر . قوله : إلا أن إطلاقها يقتضي كونه نفسيا الخ : قد عرفت أن تفاوت النفسي والغيري من حيث إن الغاية الداعية إلى الإيجاب تارة حسن نفس الواجب ، أخرى حسن ما يتوصل به إليه بناء على ما افاده العلامة الأستاد - قده - ، فما يحتاج إلى التنبيه عرفا كون الوجوب لداع آخر غير الواجب ومنه تعرف أن إطلاق البعث بمعنى عدم تقييده بانبعاثه عن داع آخر غير الواجب لا التوسعة من حيث وجوب شئ آخر ، وعدمه كما يظهر منه - ره - في مبحث اقتضاء إطلاق الصيغة للنفسية وأشباهها وقد نبهنا على ذلك في محله فراجع . ومنه تعرف أيضا أن التقييد بهذا المعنى لا ينافي كون البعث جزئيا حقيقيا فان المقصود ظهور الصيغة بحسب مقدمات الحكمة في البعث المنبعث عن داعي نفس الواجب لا عن داع آخر في غيره مع وضوح أن الدواعي ليست من شؤون البعث وأطواره كي توجب تضييق دائرة معناه ومفهومه كما نبهنا عليه في الواجب المشروط فيسقط ما سيأتي إشكالا وجوابا ( 1 ) .
هامش
1 - وأما ما أجاب به شيخنا - قده - في المتن من أن المنشأ هو مفهوم الطلب دون مصداقه فان الإرادة النفسانية تحدث بأسباب خاصة فلا يخلو من محذور فإنه لا ترقب من الإنشاء إيجاد الشئ حقيقة حتى يقال أن وجود الإرادة الحقيقية بمباد مخصوصة بل المراد إنشاء الإرادة النفسانية الموجودة بأن يتحقق لها وجود إنشائي كما يكون لها وجود حقيقي فلابد من إقامة البرهان على أن الموجود الحقيقي غير قابل لأن يوجد بوجود إنشائي أيضا وحيث أن الوجود الإنشائي وجود عرضي للشئ فلا منافاة بين كون الشئ موجودا بالحقيقة وموجودا بالعرض ولا يلزم من هذا الوجود عروض الوجود على الوجود بل حيث أن الإنشاء والأخبار بل كلية الاستعمال ولو في المفردات إيجاد المعنى بالعرض لينتقل من الموجود بالذات وهو اللفظ إلى الموجود بالعرض وهو معناه فلابد من أن يكون سنخ الموضوع له والمستعمل فيه طبيعي المعنى لأن الموجود خارجيا كان أو ذهنيا غير قابل لأن يكون انتقاليا إذ الانتقال ليس إلا وجوده الذهني والموجود بما هو لا يعقل أن يعرضه الوجود الذهني فهذا هو السر في عدم قابلية الإرادة النفسانية بحقيقتها للوجود الإنشائي فتدبر جيدا . وأما ما يورد على الجواب أن مفهوم الطلب مفهوم اسمي وهو غير قابل للإنشاء بل الإنشاء هو بنفسه مصداق الطلب بمعنى التصدي لتحصيل المراد فقد خلط - ره - بين المفهوم والمصداق لا صاحب التقريرات ( فمندفع ) بأن مفاد الجملة الكلامية خبرية كانت أو إنشائية ليس إلا النسبة دون أطرافها إلا أن المعاني الحرفية ومنها مفاد الهيئات تارة يكون حقائقها حقيقة النسبة كنسبة الظرف إلى المظروف ونسبة العرض إلى معروضه والنسبة الحكمية الاتحادية بين الموضوع ومحموله والوجود الرابط في القضية الإيجابية المركبة ، وأخرى معان نسبية كالبعث والتحريك فإنهما بذاتهما معنيان قابلان لللحاظ الاستقلالي لكنه إذا لوحظ البعث من حيث أنه أمر بين الباعث والمبعوث والمبعوث إليه فقد لوحظ على وجه الآلية والنسبية وهيأة الأمر نزلت منزلة هذه النسبة الخاصة فلا منافاة بين كون البعث مفهوما اسميا وكونه مأخوذا بنحو الآلية والنسبية وبالاعتبار الثاني قابل للإنشاء ومن يقول بإنشاء مفهوم الطلب فليس غرضه إنشاء بما هو مفهوم اسمي بل بما هو أمر بين الطالب والمطلوب والمطلوب منه . نعم مفاد الصيغة هل هو الطلب الآلي أو البعث الآلي أو الإيجاد التسبيبي الآلي فهو أمر آخر قد مر الكلام فيه سابقا كما أن المطلب هل هو بمعنى الإرادة أو بمعنى ينطبق على الكاشف عن الإرادة أو أوسع من ذلك فهو أيضا أمر آخر مر الكلام فيه فما ذكره شيخنا - ره - من أن صاحب التقريرات خلط بين المفهوم والمصداق بعد تسليم كون المنشأ حقيقة الطلب في كلام المقرر - ره - أمر متين كما أن المنشأ لابد من أن يكون سنخه المعنى لا الوجود كذلك مع وضوح أن المعنى الذي هو مدلول الكلام الإنشائي بل الخبري لابد من أن يكون سنخه سنخ النسبة فلا محالة يراد من إنشاء مفهوم الطلب إنشائه على وجه الآلية والنسبية . ثم أن جزئية مفاد الهيأة بمعنى قدمناه كما لا تنافي الإطلاق والتقييد كذلك آليته لا تنافي الإطلاق والتقييد كما قدمناه في البحث عن الواجب المشروط وكما أن إطلاق الهيأة يدل على عدم الوجوب الغيري كذلك إطلاق ذلك الغير يدل على كون متعلقه مقيدا به فالوجوب المعلوم نفسي بالالتزام إلا أن إطلاق الهيأة وإن دل على نفسية الوجوب لكنه لا يدل على أن ذلك الغير غير مقيد به ولو بالالتزام إذ لا مانع من أن يكون هذا الواجب النفسي بدليله مقدمة لذلك الغير ولا منافاة بين قصور إطلاقه عن إفادة الغيرية وكونه مقدمة للغير فلابد في رفع المقدمية وعدم التقييد للغير من إطلاق ذلك الغير هذا كله فيما كان هناك إطلاق . وأما إذا لم يكن إطلاق فالشك في النفسية والغيرية تارة في فرض العلم بوجوب ذلك الغير في الجملة فيدور البراءة مدار فعلية ذلك الغير بدخول الوقت مثلا وعدمها بعدمه ، وأخرى في فرض عدم العلم بوجوب ذلك الغير كما إذا دار بين أن يكون تقدير الغيرية فالمسألة داخلة في الأقل والأكثر وكما أن البراءة عن تقيد الطهارة بوجوب الصلاة لا تنافي وجوب الطهارة فعلا والعبارة في الكتاب ناظرة إلى الأول لفرض التكليف بالغير ودوران الأمر بين فعليته تارة وعدمها أخرى فتدبر جيدا .